متابعة محمد العربي اطريبش
دخلت الحرب السيبرانية التي تستهدف المغرب منعطفا جديدا، بعدما أظهرت محادثات داخلية متداولة بين أعضاء مجموعة مغربية ناشطة في المجال الرقمي معطيات تضع علامات استفهام كبيرة حول بعض الروايات التي تروج لها قناة «Jabaroot»، خاصة ادعاءاتها الأخيرة بشأن اختراق أنظمة أمنية مغربية والاستحواذ على كميات ضخمة من البيانات الحساسة.
القضية لم تعد مرتبطة فقط بمن اخترق من، أو بمن يمتلك أكبر كمية من الملفات، بل أصبحت أقرب إلى حرب معلومات وبروباغندا رقمية، تختلط فيها المعطيات الحقيقية بالوثائق القديمة والمزاعم غير المثبتة، قبل أن تجد طريقها أحيانا إلى وسائل إعلام دولية تتعامل معها باعتبارها «تسريبات» دون انتظار التحقق التقني الكافي من مصدرها وحقيقتها.
وتظهر محادثات اطلعت عليها «تطوان 44» نقاشا داخليا بين حسابات مغربية تنشط في هذا المجال حول «Jabaroot»، حيث يصف أحد المشاركين القناة بأنها «مجرد منصة دعائية وليست مجموعة من القراصنة»، فيما يتحدث آخر عن تواصله مع شخص قال إنه يقف وراءها، مشيرا إلى ادعائه امتلاك أزيد من 530 جيغابايت من البيانات.
وفي محادثة أخرى، يعود الرقم نفسه إلى الواجهة، إذ يجري الحديث عن «تحميل 530 جيغابايت»، مصحوبا بإشارات إلى وزارتي الدفاع والداخلية، قبل أن يسأل أحد المشاركين بشكل مباشر عما إذا كان الطرف الآخر يمتلك فعلا هذا الحجم من البيانات، ليتلقى جوابا بالإيجاب.
لكن الرقم، مهما كان ضخما، لا يشكل في حد ذاته دليلا تقنيا على وقوع اختراق. فلا إعلان امتلاك 530 جيغابايت، ولا نشر صور ومحادثات على «تيليغرام»، يكفيان لإثبات اختراق منظومة معلوماتية أمنية، ما لم تكن الادعاءات مصحوبة بأدلة تقنية مستقلة وقابلة للتحقق تحدد مصدر البيانات وكيفية الحصول عليها.
وهنا تحديدا جاءت الرواية الرسمية المغربية لتقلب المعادلة، بعدما نفت المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بشكل قاطع تعرض أنظمتهما المعلوماتية أو قواعد بياناتهما الأمنية لأي اختراق، مؤكدة أن البيانات الشخصية التي جرى تداولها قديمة، وتم الحصول عليها من قواعد بيانات وأنظمة معلومات تديرها شركات تأمين وهيئات للتغطية الصحية والاجتماعية، وليس من الأنظمة الأمنية للمؤسستين. كما أكدت أن قواعد البيانات الأمنية المعنية غير مرتبطة أصلا بشبكات مفتوحة على الإنترنت.
ولم يتوقف التفنيد المغربي عند مصدر البيانات، بل امتد إلى بعض الصور والوثائق التي جرى تقديمها على أنها مواد أمنية، حيث تحدث بلاغ القطب الأمني عن صور مركبة ووثائق مزورة، مشيرا إلى وجود أزياء ورتب لا تستخدم داخل الأمن الوطني المغربي، فضلا عن هويات بصرية خاطئة وأخطاء لغوية واضحة، فيما تتواصل الأبحاث تحت إشراف النيابة العامة المختصة لتحديد المتورطين في صناعة وترويج هذه المضامين.
وحتى بعض عمليات التحقق الصحفي المستقلة أشارت إلى أن جزءا من البيانات المتداولة قديم، وأن بعض الأسماء تعود إلى أشخاص متوفين أو آخرين غادروا الجهاز الأمني، وهو ما يزيد من ضرورة الفصل بين وجود بيانات شخصية متداولة وبين الادعاء الأخطر المتمثل في اختراق مباشر لقواعد البيانات الأمنية المغربية.
عندما تتحول المزاعم إلى «حقيقة إعلامية»
المثير في القضية أن رواية «Jabaroot» لم تبق حبيسة قنوات «تيليغرام»، بل وجدت طريقها إلى الإعلام الإسباني، حيث تناولت «La Sexta» القضية نقلا عن «El Confidencial»، وجرى الحديث عن بيانات مزعومة تخص عشرات الآلاف من عناصر الأمن والاستخبارات المغربية، بل وصل النقاش التلفزيوني إلى التساؤل عما إذا كانت الملفات تتضمن أسماء إسبانية على صلة بأجهزة الاستخبارات المغربية.
كما واصلت صحيفة «El Independiente» تناول القضية، وقدمت المزاعم باعتبارها تسريبا ضخما محتملا يمس أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية، ضمن قراءة سياسية ربطتها كذلك بالأزمة الأخيرة مع إسبانيا وقضية الهجرة نحو سبتة.
وهنا يطرح السؤال المهني نفسه بقوة: هل يكفي أن تنشر قناة مجهولة الهوية ملفا على «تيليغرام» وتصفه بأنه نتيجة اختراق حتى يتحول الادعاء إلى حقيقة إعلامية؟
فالصحافة لا يفترض أن تكون مجرد ناقل لما تقوله مجموعات القرصنة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي لدولة ومؤسسات سيادية. وبين عبارة «المجموعة تدعي أنها اخترقت» وعبارة «تم اختراق المؤسسة» مسافة مهنية كبيرة، يفترض أن تملأها عملية التحقق والتدقيق والاستعانة بالخبرة التقنية.
واللافت أن الغموض حول «Jabaroot» ليس جديدا، إذ سبق لصحيفة «Le Monde» أن أشارت إلى أن هوية من يقف خلف الاسم لم تحسم، وأن ظهور حسابات جديدة تحمل التسمية نفسها بعد إغلاق حسابات سابقة يجعل نسبة مختلف المنشورات إلى الفاعل ذاته أمرا غير مؤكد، فضلا عن انتشار ظاهرة انتحال الهويات وتغيير أسماء المجموعات والادعاءات متفاوتة المصداقية داخل أوساط القرصنة «الوطنية» في المنطقة.
وفي الضفة الأخرى.. «Digital Moroccans Ops» تدخل على الخط
وسط هذا المناخ، أعلنت مجموعة تحمل اسم Digital Moroccans Ops، عبر قناة على «تيليغرام»، مسؤوليتها عن عملية إلكترونية قالت إنها استهدفت وكالة سفر جزائرية تحمل اسم «Gelnar Travel».
وبحسب المنشور الظاهر في المعطيات التي اطلعت عليها «تطوان 44»، زعمت المجموعة أنها تمكنت من اختراق الوكالة واستخراج «وثائق حساسة»، وأرفقت إعلانها بملف مضغوط يحمل اسم الجهة المستهدفة، مؤكدة أن العملية ليست سوى «البداية» وأن المزيد من الأدلة سيأتي لاحقا.
كما استخدمت المجموعة خطابا تصعيديا أعلنت من خلاله استمرار عملياتها الرقمية، معتبرة أن «الحرب الرقمية قد بدأت»، في مؤشر على انتقال التوتر السياسي والإعلامي بين المغرب والجزائر إلى فضاء إلكتروني باتت تتحرك داخله مجموعات وحسابات متعددة، يصعب في حالات كثيرة التأكد من هويات القائمين عليها أو الجهات التي تقف خلفها.
غير أن القاعدة المهنية نفسها يجب أن تطبق على الجميع: إعلان Digital Moroccans Ops مسؤوليتها عن اختراق جهة جزائرية يظل بدوره ادعاء يحتاج إلى تحقق تقني مستقل، تماما كما يجب التعامل مع ادعاءات «Jabaroot»، بعيدا عن الاصطفاف أو تحويل الحرب السيبرانية إلى مباراة في تصديق طرف وتكذيب آخر دون أدلة.
الأمن السيبراني لا يقاس بحجم ملف على «تيليغرام»
ما تكشفه هذه القضية في النهاية يتجاوز «530 جيغابايت» أو اسمي «Jabaroot» و«Digital Moroccans Ops». نحن أمام معركة أخرى موازية للاختراقات التقنية، عنوانها صناعة الرواية والتأثير في الرأي العام وضرب صورة المؤسسات عبر الفضاء الرقمي.
وحين يتعلق الأمر بالمغرب، فإن تقديم بيانات قديمة مصدرها شركات تأمين أو مؤسسات اجتماعية باعتبارها نتيجة اختراق مباشر لمنظومة أمنية سيادية، إذا ثبت ذلك، لا يكون مجرد اختلاف في توصيف تقني، بل يؤدي إلى بناء رواية مختلفة تماما عن حقيقة مصدر البيانات.
أما وسائل الإعلام التي تتناول مثل هذه الملفات، إسبانية كانت أو مغربية أو غيرها، فمسؤوليتها لا تنتهي عند عبارة «نقلا عن مجموعة هاكرز». المهنية تقتضي تقديم الادعاء باعتباره ادعاء، ووضع الرواية المقابلة أمام القارئ، والبحث عن دليل تقني مستقل قبل إصدار أحكام تمس سمعة مؤسسات ودول بأكملها.
والرد على أي تغطية منحازة أو مضللة يجب بدوره أن يبقى إعلاميا وقانونيا وتقنيا، لا عبر استهداف وسائل الإعلام إلكترونيا، لأن اختلافنا مع خط تحريري أو تغطية صحفية لا يمنح أي طرف الحق في اختراق مؤسسة إعلامية.
وبين تسريبات حقيقية وأخرى مزعومة، ووثائق قديمة يعاد تدويرها، وحسابات تظهر وتختفي خلف أسماء مستعارة، يبدو أن أخطر أسلحة الحرب السيبرانية لم يعد الاختراق وحده، بل قدرة البروباغندا على إقناع الجمهور بأن ادعاء غير مثبت هو حقيقة مكتملة الأركان.
وفي هذه الحرب تحديدا، لا ينتصر من يمتلك الرقم الأكبر من «الجيغابايت»، وإنما من يمتلك الدليل الذي يصمد أمام التحقق.
