متابعة محمد العربي اطريبش
تفتح قضية المواطن المغربي الحامل للجنسية الألمانية، ياسين الفيلالي، ملفا شائكا تتقاطع فيه مسؤوليات عدة أطراف، من السلطات الأمنية والقضائية الألمانية إلى المؤسسات التمثيلية المغربية المكلفة بحماية مصالح المواطنين المغاربة المقيمين بالخارج.
وبحسب رواية الفيلالي والوثائق والمعطيات التي يقول إنه يتوفر عليها، فإن معاناته تمتد لسنوات، وتعود بداياتها إلى سنة 2018، حين كان يشتغل داخل شركة مرسيدس بألمانيا، حيث يؤكد تعرضه لممارسات وصفها بالتمييزية والعنصرية، قبل أن تتطور الأحداث لاحقا إلى وقائع أكثر خطورة، لا تزال تفاصيلها ومسؤوليات الأطراف فيها تحتاج إلى تدقيق قضائي ومؤسساتي.
من خلافات العمل إلى اعتداء خطير
يقول ياسين الفيلالي إن فصول قضيته بدأت خلال شهر غشت 2018، على خلفية ما يعتبره ممارسات تمييزية تعرض لها داخل محيط عمله، قبل أن تعرف القضية منعطفا خطيرا في يونيو 2019، عندما تعرض لاعتداء جسدي داخل مترو بألمانيا على يد شخص من الجنسية الأفغانية.
ووفق روايته، فقد استهدف الاعتداء منطقة الرأس وتسبب له في إصابات وعاهات على مستوى الرأس والفم، مؤكدا أن الواقعة وثقتها كاميرات المراقبة الموجودة بمحطة المترو.
غير أن القضية، بحسب الفيلالي، لم تتوقف عند حدود هذا الاعتداء، إذ يؤكد أنه دخل بعد ذلك في مسار طويل من الشكايات والمراسلات بحثا عن الإنصاف وكشف ملابسات ما تعرض له.
اتهامات خطيرة ومطالب بالتحقيق
ويقول المواطن المغربي الألماني إنه تعرض لاحقا لتدخلات عنيفة من طرف عناصر من الشرطة الألمانية، شملت، حسب روايته، التكبيل بالأصفاد والاعتداء الجسدي، وذلك في سياق تحركاته ومراسلاته للمطالبة بفتح تحقيق وإنصافه.
كما يربط الفيلالي جانبا من هذه التطورات برسالة سبق أن وجهها إلى المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، عرض فيها قضيته وطالب بحماية حقوقه وكرامته.
ويورد الفيلالي كذلك ادعاءات بشأن واقعة تعود إلى مارس 2020 داخل مقر السفارة المغربية بألمانيا، وهي اتهامات خطيرة تستوجب، بالنظر إلى طبيعتها، الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية والاطلاع على الوثائق والمحاضر الرسمية لتحديد حقيقة ما جرى والمسؤوليات المترتبة عنه.
شكايات ومراسلات دون نهاية واضحة
على امتداد السنوات الماضية، يؤكد الفيلالي أنه طرق أبواب عدد من المؤسسات والجهات، ووجه شكايات ومراسلات متعددة إلى جهات مغربية وألمانية، أملا في الوصول إلى إنصاف قضائي ومؤسساتي، غير أنه يعتبر أن مساره ظل عالقا وسط ما يصفه بالتأخر في معالجة قضيته وغياب أجوبة حاسمة عن عدد من الوقائع التي أثارها.
ويقول إن مخاوفه لم تعد مرتبطة فقط بما وقع في ألمانيا، بل امتدت إلى سلامته الشخصية، مشيرا إلى تعرضه، حسب تصريحه، لتهديد بالقتل داخل شقته بمدينة الدار البيضاء خلال أكتوبر 2025.
هذه التطورات، وفق روايته، جعلته متخوفا من العودة إلى ألمانيا، خشية تعرضه لما يعتبره إجراءات انتقامية أو متابعات مرتبطة بالملف، ليختار البقاء بالمغرب ومواصلة مساعيه القانونية والمؤسساتية من بلده الأم.
أين تبدأ مسؤولية ألمانيا وأين ينتهي دور المؤسسات المغربية؟
قضية ياسين الفيلالي تتجاوز، في أبعادها المطروحة، مجرد نزاع فردي أو واقعة اعتداء، لتثير أسئلة أوسع حول مسؤولية المؤسسات في حماية الأفراد وضمان حقهم في اللجوء إلى القضاء دون تمييز، ومدى فعالية الآليات القانونية الألمانية في التعامل مع الشكايات المرتبطة بالعنصرية والعنف والتمييز.
وفي المقابل، تطرح القضية سؤالا لا يقل أهمية حول الدور الذي تضطلع به المؤسسات الدبلوماسية والقنصلية المغربية في مواكبة المواطنين المغاربة بالخارج عندما يجدون أنفسهم أمام نزاعات أو وقائع تمس سلامتهم وحقوقهم الأساسية.
فحماية المواطنين المغاربة المقيمين بالخارج لا تعني التدخل في استقلال القضاء أو اختصاصات دولة الإقامة، لكنها تطرح مسؤولية المواكبة القنصلية والتواصل وتتبع الحالات التي قد تنطوي على مساس بحقوقهم، وفق ما تسمح به القوانين والاتفاقيات الدولية.
ملف مفتوح وأسئلة تنتظر الأجوبة
إن خطورة الادعاءات التي يقدمها ياسين الفيلالي تفرض التعامل معها بمنطق التحقيق والتدقيق، بعيدا عن إصدار أحكام مسبقة في حق أي طرف قبل الاطلاع على الروايات المقابلة والوثائق الرسمية ونتائج الإجراءات القضائية ذات الصلة.
ومن هنا، يفتح هذا الملف الباب أمام سلسلة من الأسئلة: ماذا وقع فعلا داخل شركة مرسيدس؟ وما الملابسات الكاملة للاعتداء الذي تعرض له الفيلالي داخل المترو؟ وكيف تعاملت الشرطة والقضاء الألمانيان مع شكاياته؟ وما حقيقة الوقائع التي ينسبها إلى بعض الجهات؟ وأي دور قامت به المؤسسات المغربية المختصة لمواكبته؟
إنها أسئلة تجعل من قضية ياسين الفيلالي ملفا يستحق البحث والتقصي، ليس فقط لكشف حقيقة ما تعرض له هذا المواطن، وإنما أيضا للوقوف على مدى فعالية آليات حماية المواطنين المغاربة بالخارج عندما تتحول مطالب الإنصاف إلى رحلة طويلة بين المؤسسات والحدود.
ملف سنعود إلى تفاصيله من خلال تحقيق استقصائي، بالوثائق والشهادات، مع فتح المجال أمام جميع الأطراف المعنية لتقديم روايتها وتوضيحاتها، سعيا إلى كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات دون أحكام مسبقة.

