آخر الأخبار
قصة الزمن الميسر في الجامعة المغربية كيف نشأت الفكرة كيف تطورت؟ وما مصير المشروع اليوم؟
تربية وتعليم - كتاب وآراء

قصة الزمن الميسر في الجامعة المغربية كيف نشأت الفكرة كيف تطورت؟ وما مصير المشروع اليوم؟

بقلم : د مصطفى الغاشي
تقديم:
ان قصة الزمن الميسر في الجامعة المغربية ليست قصة تغيير في توقيت المحاضرات فقط؛ بل إنها في العمق قصة انتقال الجامعة المغربية من نموذج جامعي موجَّه أساساً إلى الطالب المتفرغ، إلى محاولة بناء جامعة أكثر انفتاحاً على الموظف والأجير والمهني، وعلى مفهوم التعلم مدى الحياة. لكن هذه التجربة ظلت لسنوات بين الحاجة الاجتماعية والمبادرة الجامعية والإشكال القانوني، قبل أن تدخل سنة 2026 مرحلة جديدة مع القانون رقم 59.24.

  1. كيف بدأت الفكرة؟ من الناحية العملية، لم يظهر «الزمن الميسر» دفعة واحدة باعتباره مشروعاً وطنياً موحداً. نشأ تدريجياً داخل بعض الجامعات والمؤسسات استجابةً لمشكلة واضحة: كيف يمكن لموظف أو أجير أن يعود إلى الجامعة دون أن يترك عمله؟
    فالتوقيت الجامعي التقليدي، الذي يتركز خلال ساعات النهار، كان يجعل العودة إلى الدراسة شبه مستحيلة بالنسبة إلى آلاف الموظفين والأجراء والمهنيين.
    وتشير المعطيات المنشورة سنة 2025 إلى أن جامعة محمد الخامس بالرباط كانت من أوائل الجامعات التي أطلقت هذا النمط منذ 2016، بعد تسجيل إقبال كبير من الموظفين والأجراء، مع تنظيم الدراسة بعد الساعة الخامسة مساءً وأيام السبت. وهكذا كانت الفكرة في بدايتها ذات بعد اجتماعي واضح: فتح الجامعة أمام من أغلقت في وجههم ساعات العمل أبوابها.
    وهذه النقطة مهمة جداً؛ لأن الزمن الميسر لم يولد أصلاً باعتباره وسيلة لتحصيل موارد مالية، وإنما باعتباره آلية لاستيعاب فئة جديدة من الطلبة.
  2. من مبادرة جامعية إلى نموذج متوسع، بعد ظهور التجارب الأولى، بدأت جامعات أخرى في تبني الصيغة بدرجات مختلفة. فقد أصبح بالإمكان تنظيم دراسات:
    بعد أوقات العمل؛ مساءً؛ في عطلة نهاية الأسبوع؛ لفائدة الموظفين والأجراء؛ وفي بعض الحالات في مستويات الإجازة والماستر والدكتوراه.
    ومن الأمثلة الدالة اليوم، جامعة الحسن الأول بسطات، التي تعرض رسمياً برامج في «التكوين الأولي بالزمن الميسر» لفائدة الموظفين والأجراء والمهنيين، وتشمل الإجازة والماستر، مع تنظيم الدراسة بعد الرابعة مساءً وفي عطلة نهاية الأسبوع.
    كما نجد تجربة كلية متعددة التخصصات بخريبكة، التي أعلنت عن ماسترات بالزمن الميسر لفائدة الموظفين والأجراء، في مجالات مثل الكيمياء والنانوتكنولوجيا وتدبير المجالات والتنمية المستدامة والعلوم البيئية.
    وبذلك انتقلت الفكرة من: تجربة محدودة الى تجارب جامعية متعددة الى نمط تكوين له حضور وطني.
  3. المشكلة الكبرى: «الزمن الميسر» والاشكال القانوني؟
    وهنا تبدأ القصة الأكثر تعقيداً. ففي المرحلة الأولى لم يكن هناك نص تشريعي يضع «التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر» باعتباره نمطاً مستقلاً ومؤطراً بصورة صريحة. ولهذا حدث تداخل بين ثلاثة مفاهيم: التكوين الأساسي، التكوين المستمر، التوقيت الميسر. وكان السؤال المطروح: إذا كان الطالب يدرس في المساء، فهل هذا مجرد تغيير في زمن الدراسة؟ أم أنه تكوين مستمر؟ أم تكوين أساسي يؤدي إلى شهادة وطنية؟
    والسؤال لم يكن أكاديمياً فقط، بل كانت له نتائج مباشرة على: الرسوم؛ شروط الولوج؛ طبيعة الشهادة؛ صفة الطالب؛ اختصاص مجلس الجامعة؛ مبدأ مجانية التعليم؛
    ومشروعية الموارد المحصلة. وبموجب القانون القديم رقم 01.00، كان الإطار القانوني يتحدث عن موارد الجامعة، ومنها الرسوم المرتبطة بالتكوين المستمر، وهو ما جعل فرض رسوم على تكوينات أساسية تؤدي إلى شهادات وطنية محل نقاش قانوني.
  4. لحظة الأزمة: حين دخل القضاء على الخط، أصبح الجدل أكثر حدة عندما بدأت رسوم بعض تكوينات الزمن الميسر تصل إلى القضاء. ومن أبرز الملفات قضية جامعة محمد الأول بوجدة المتعلقة برسوم التسجيل في الدكتوراه بالتكوين الأساسي في الزمن الميسر. وتفيد المعطيات المنشورة حول الملف بأن حكماً ابتدائياً صدر في دجنبر 2025، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف الإدارية بفاس الحكم الابتدائي بقرار عدد 43 بتاريخ 31 مارس 2026. وهنا ظهر سؤال جوهري: هل تستطيع الجامعة، اعتماداً على صلاحياتها الذاتية، أن تفرض رسوماً على تكوين أساسي؟ أم أن الأمر يحتاج إلى سند تشريعي صريح؟ لقد كشفت هذه القضية أن التجربة كانت قد سبقت أحياناً الإطار التشريعي الواضح الذي ينظمها.
  5. سنة 2026: اللحظة المفصلية، وهنا حدث التحول الأكبر. فقد صدر القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.04 بتاريخ 11 فبراير 2026، ونشر في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026.
    والأهم ما في الأمر، أن المادة 81 أدخلت التكوين الأساسي الملقن في توقيت ميسر إلى صلب الإطار التشريعي، مع إمكانية تنظيم تكوينات مؤدى عنها، لفائدة العاملين في القطاعين العام والخاص وغيرهم وفق الشروط المحددة قانوناً. وهذا يعني أن الوضع انتقل من: «جامعة تنظم تجارب في الزمن الميسر» إلى: «المشرع يعترف بالتكوين الأساسي في الزمن الميسر ويضع له أساساً قانونياً». وهذه أهم نقطة في قصة المشروع كلها.
  6. ماذا تغير بعد القانون 59.24؟ ان التغيير ليس في الساعة التي تبدأ فيها المحاضرة فقط. بل تغيرت الهوية القانونية للتكوين. فالمشرع أصبح يميز بصورة أوضح بين: انماط وطبيعة التكوين:
  • التكوين الأساسي العادي المسار الجامعي التقليدي
  • التكوين الأساسي بالزمن الميسر تكوين أساسي موجه خصوصاً للعاملين ومن يرغب وفق الشروط
  • التكوين المستمر ، تطوير وتجديد الكفاءات والخبرات
    التكوين المؤدى عنه نمط يمكن أن يشمل التكوينات التي أجاز القانون أداء رسوم عنها وبذلك يمكن القول إن سنة 2026 تمثل نقطة تحول من «التجريب» إلى «التقنين».
  1. لكن هل يعني ذلك أن المشروع انتهى إلى النجاح؟
    لا. بل ان الزمن الميسر دخل الآن المرحلة الأصعب. لأن السؤال لم يعد: هل الزمن الميسر قانوني؟ بل أصبح:
    أي زمن ميسر نريد؟ وهنا توجد خمس معضلات كبرى.
    أ ـ معضلة الرسوم، حيث القانون أعطى أساساً جديداً للتكوين المؤدى عنه في هذا الإطار، لكن ذلك لا يلغي السؤال الاجتماعي: هل يمكن أن تتحول الجامعة العمومية إلى فضاء تتحدد فيه جودة التعليم بحسب القدرة على الأداء؟ خصوصاً أن بعض الرسوم أصبحت مرتفعة جداً في بعض التكوينات. فعلى سبيل المثال، أعلنت المدرسة العليا للأساتذة بمكناس عن ماستر بالزمن الميسر في 2025/2026 برسوم فصلية بلغت 11 ألف درهم في مسلك «الأدب والدراسات البينية والثقافة الرقمية».
    ب ـ معضلة تكافؤ الفرص، حيث إذا كان الزمن الميسر موجهاً للموظف والأجير القادر على دفع الرسوم، فماذا عن الموظف ذي الدخل المحدود؟ هل تصبح العودة إلى الجامعة حقاً اجتماعياً أم خدمة تعليمية ذات مقابل؟
    وهذه مسألة تحتاج إلى سياسة عمومية واضحة، وليس إلى قرارات متفرقة لمجالس الجامعات.
    ج ـ معضلة الجودة، لان الخطر الحقيقي ليس في أن تكون الدراسة مساءً. بل الخطر هو أن تتحول الدراسة المسائية إلى: نسخة مخففة من الجامعة. وهذا غير مقبول. فالطالب في الزمن الميسر يجب أن يحصل على:
    نفس القيمة العلمية؛ نفس شروط التقويم؛ نفس الكفاءة البيداغوجية؛ نفس متطلبات البحث؛ ونفس الاعتراف بالشهادة، مع اختلاف تنظيم الزمن فقط.
  2. أين وصل المشروع اليوم؟ — أغسطس 2026، ان المعطيات الحالية تكشف أن المشروع لم يمت، بل توسع ودخل مرحلة جديدة. بل إن جامعة الحسن الأول تفتح حالياً التسجيل برسم 2026/2027 في برامج الزمن الميسر، وتعرض مجموعة واسعة من الإجازات والماسترات، وتؤكد أن هذه البرامج موجهة حصرياً للموظفين والأجراء. وتشمل عروضها الحالية مجالات مثل: القانون؛ الإدارة؛ التدبير؛ المالية؛ الموارد البشرية؛
    التجارة؛ البيانات والذكاء الاصطناعي؛ العلوم الصحية؛
    وعلوم التربية.
    كما تستمر جامعات أخرى في تقديم هذا النمط، وهو ما يدل على أن المشروع أصبح مكوناً فعلياً من مكونات العرض الجامعي المغربي، وليس مجرد تجربة عابرة.
    بل إن بعض المؤسسات أعلنت عن برامج الزمن الميسر في الإجازة والماستر معاً، بما يعني أن التجربة أصبحت تتجه نحو بناء مسارات جامعية متكاملة للمتعلمين العاملين.
  3. إذن: ما مصير «مشروع الزمن الميسر»؟ يمكن تلخيص مساره في خمس مراحل:
  • المرحلة الأولى: الحاجة الاجتماعية، من خلال موظفون وأجراء يريدون العودة إلى الجامعة.
  • المرحلة الثانية: التجربة الجامعية، فجامعات، وعلى رأسها جامعة محمد الخامس، تبدأ تنظيم الدراسة مساءً وفي نهاية الأسبوع منذ 2016.
  • المرحلة الثالثة: الانتشار، حيث جامعات أخرى تتبنى النموذج وتفتح الإجازة والماستر، خصوصاً للموظفين والأجراء.
  • المرحلة الرابعة: الأزمة القانونية، حيث نزاع حول طبيعة التكوين والرسوم ومشروعية الأداء، وصولاً إلى القضاء الإداري.
  • المرحلة الخامسة: التقنين سنة 2026، فالقانون 59.24 يمنح التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر سنداً تشريعياً صريحاً، وينقله إلى مرحلة جديدة.
  1. المفارقة الكبرى، ان المفارقة المبرى أن المشروع الذي ولد من فكرة ديمقراطية نبيلة — فتح الجامعة أمام العاملين أصبح اليوم مرتبطاً بقوة بموضوع الرسوم. وهنا يجب أن نكون حذرين. فالزمن الميسر يمكن أن يكون أحد أهم مشاريع إصلاح الجامعة المغربية إذا جعلناه مدخلاً إلى: جامعة مدى الحياة، جامعة مفتوحة، جامعة ثانية، وجامعة لا تنتهي علاقة المواطن بها عند سن 22 أو 23 سنة. لكنه يمكن، في المقابل، أن يتحول إلى:
    باب جانبي لخصخصة جزء من التعليم العالي العمومي، إذا غابت الحكامة وضمانات الجودة وتكافؤ الفرص.
    وهذه هي المعركة الحقيقية التي بدأت الآن، وليست معركة «هل ندرس مساءً أم صباحاً؟».
    في الختام، ان الزمن الميسر لم يعد مشروعاً في طور التجربة. ففي غشت 2026، وجدنا انفسنا أمام نمط تكوين جامعي أصبح له أساس تشريعي صريح، وتتبناه مؤسسات جامعية متعددة، وتُفتح له عروض في الإجازة والماستر. لكن نجاحه النهائي سيتوقف على أربعة شروط: قانون واضح، جودة أكاديمية مساوية للتكوين العادي، رسوم عادلة وشفافة، حكامة تمنع تحويل الجامعة العمومية إلى سوق للشهادات. والسؤال الأكثر أهمية الآن ليس: «هل سينجو الزمن الميسر؟» بل: هل ستنجح الجامعة المغربية في تحويل الزمن الميسر من حل إداري لمشكلة التوقيت إلى فلسفة جديدة للتعلم مدى الحياة؟ وهذا، في تقديرنا، هو المدخل الأنسب لدراسة التجربة تاريخياً ومؤسساتياً وقانونياً منذ انطلاقتها سنة 2016 إلى لحظة تقنينها في 2026.
    د. مصطفى الغاشي
    أستاذ التعليم العالي
    جامعة عبد المالك السعدي بتطوان

محمد العربي اطريبش

صحفي مهني راكم تجربة في مجال الصحافة والإعلام منذ سنة 2013، يشغل منصب المدير العام لجريدة تطوان 44، والمدير الجهوي للموقع الوطني «مجلة 24» بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ومدير نشر جريدة «أشخباركم».

المزيد من مقالات الكاتب ←

أضف تعليقاً

مساحة إعلانية (Google AdSense) يمكن تعبئتها لاحقا