لم يعد في السنوات الأخيرة تشبيه بعض الخطابات السياسية الراهنة بتجارب استبدادية من الماضي مجرد تمرين أكاديمي، بل تحوّل إلى ناقوس إنذار يتردد صداه في الفضاء العام الأوروبي والعالمي. ومع أن التاريخ لا يُكرر نفسه حرفيًا، وأن المقارنات المتسرعة قد تطمس الوقائع، فإن تفحّص أوجه الشبه والاختلاف بين لغة الحزب النازي في ألمانيا قبل عام 1933 وخطاب حزب فوكس داخل المؤسسات الإسبانية يظل تمرينًا ضروريًا لفهم كيف يُعاد إنتاج الكراهية بلبوس جديدة، وكيف يمكن للكلمات، حين تُفلِت من عقالها، أن تُمهّد لكوارث تتجاوز حدود الدول لتُصيب أوروبا والعالم بأسره.

في ألمانيا إبان فترة جمهورية فايمار Weimar ، نما الحزب النازي في تربة مسمومة، تضَخُّم هائل، بطالة خانقة، مؤسسات هشة، وصدامات دموية بين التيارات المتطرفة. في هذا المناخ، لم يتعامل النازيون مع البرلمان باعتباره فضاءً للنقاش، بل حَوَّلوه إلى مسرح للهدم المتعمد للديموقراطية. كانت لغة التخوين والتشويه سلاحهم اليومي، الجمهورية “فاسدة”، الحكومة “خائنة”، والنظام الديمقراطي “عدو للشعب الألماني”. لم يكن الهدف تصحيح المسار أو تحسين الأداء الحكومي، بل نزع الشرعية عن النظام برمّته وتصويره كنظام عاجز عن حماية الأمة الألمانية العريقة. وفي قلب هذه الاستراتيجية، صُنع “العدو الداخلي” االذي لم يكن سوى اليهود، الذين جرى تحميلهم مسؤولية الانهيار الاقتصادي والانحلال الأخلاقي، ضمن سردية مهووسة بالمؤامرة والعِرق وصراع الوجود.
صحيح أن إسبانيا اليوم تعيش في إطار مختلف جذريًا، ديمقراطية مُستقرة، مؤسسات راسخة، صحافة حرة، ودولة قانون، دون عنف سياسي منظّم. ومع ذلك، أدخل حزب فوكس إلى النقاش البرلماني نبرة تصعيدية غير مسبوقة، تقوم على التشكيك في شرعية الحكومات المُنتخبة، وتصوير إسبانيا كبلد مهدد باستمرار من “أعداء الداخل”، ووصف الخصوم السياسيين بأنهم خطر وجودي على الأمة، والمهاجرين غير المسيحيين خطر على الهوية الوطنية، وطابور خامس لعودة ” الموروس” المسلمين إلى إسبانيا وخرافة مشروع عودتهم إلى غزو الأندلس..هنا لا يُعلن حزب فوكس صراحة هدف تدمير الديمقراطية، لكنه يهدف بوضوح تطويعها عبر شحن عاطفي دائم، يحشد الأنصار ويدفع النقاش العام نحو مسارات هوياتية إقصائية.
أحد أكثر أوجه التشابه إثارة للقلق يكمن في صناعة “الآخر” بوصفه تهديدًا. النازيون جعلوا من اليهود كبش فداء جماعيًا، وقدمّوهم كخطر عرقي يتسلل لهدم الأمة من الداخل. أما فوكس، فيُركّز جانبًا كبيرًا من خطابه على الهجرة، خصوصًا القادمة من بلدان إسلامية أو من شمال إفريقيا، رابطًا – في كثير من الأحيان – بين الهجرة غير النظامية والجريمة، ومصوّرًا وجود فئات بعينها كتهديد للتماسك الثقافي والأمن المجتمعي. البنية العاطفية في خطاب فوكس واحدة، هوية وطنية مسيحية “محاصَرة” في مواجهة “غزو” خارجي. غير أن الفروق تظل قائمة؛ خطاب فوكس، حتى الآن، لا يتبنّى منطقًا عرقيًا صريحًا، ولا يدعو علنًا إلى الإبادة أو إلى تجريد جماعات بعينها من حقوقها المدنية.
كذلك يلتقي الخطابان في استدعاء صورة الوطن على حافة الهاوية. النازية قدّمت ألمانيا كأمة مُهانة، منزوعة الكرامة، تسير نحو الفناء بفعل أعداء الداخل والخارج، وهو ما مهّد نفسيًا لتبرير الإجراءات الاستثنائية ونسف الديمقراطية البرلمانية. فوكس، بدوره، يتحدث عن إسبانيا مهددة بالانفصال، وبـ“العولمة”، وبالتيارات التقدمية، وبالهجرة المُسلمة، لكنه – إلى الآن – يفعل ذلك من داخل قواعد اللعبة الديمقراطية، وببرنامج يطالب بإصلاحات مركزية حادة لا بإلغاء النظام كليًا.
هذا التحليل المُقارن يكشف تشابهات مُقلقة في الأدوات البلاغية المُستعملة سواء من طرف النازية أو من اليمين الاسباني المتطرف وفي مقدمته حزب فوكس، لغة خشنة، شيطنة الخصوم، تضخيم الإحساس بالخطر، وتسويق الخوف باعتباره وعيًا وطنيًا. وهي سمات كلاسيكية للشعبوية القومية التي عرفتها أوروبا جيدًا قبل الحرب العالمية الثانية، ودفعَت ثمنها باهظًا. لكنه يكشف أيضًا بعض الاختلافات المُهمة في السياق والأهداف والحدود المُعلنة.
إن مساواة حزب معاصر بالنازية بشكل مباشر خطأ تاريخي وتحليلي فادح، لكن تجاهل منطق الكراهية حين يعود بأقنعة جديدة خطأ أخطر وأكثر فداحة. التاريخ الأوروبي يُعلّمنا أن النار لا تبدأ دائمًا بالمِحرقة، بل بالكلمة، كلمة تُحرّض، وتُقصي، وتُجرّد الإنسان من إنسانيته خطوة بعد أخرى إلى أن تنتهي بالمحرقة أو ما يشبه عودة محاكم التفتيش مع الكاردينال سيسنيروس Cisneros وطرد الموريسكيين العالقة في المخيال الجمعي الاسباني.
في النهاية، لا تكمن قيمة هذا التشبيه أو المقارنة في إطلاق أحكام جاهزة، بل في التذكير بأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بصناديق الاقتراع، بل بنوعية الخطاب العام. وحين تُلوّث اللغة السياسية بالخوف والتحريض، فإن أوروبا كلها، بل العالم – لا بلدًا بعينه – يقف مُجددًا أمام شبح قديم، يَعرف الجميع مخاطره وإلى أين يمكن أن يقود البشرية.

