بقلم: د. حسن الشطيبي. نقابي، حقوقي وفاعل جمعوي
هل ستحافظ المجموعات الصحية الترابية GST على مكتسبات مستخدمي المراكز الاستشفائية الجامعية؟ وهل سينجح الحوار الاجتماعي المقبل في ذلك؟
تعيش المنظومة الصحية الوطنية مرحلة مفصلية غير مسبوقة، مع بدء التنزيل التدريجي لمشروع “المجموعات الصحية الترابية” (GST)، باعتباره أحد أكبر أوراش إصلاح القطاع الصحي بالمغرب. ورغم ما يحمله هذا المشروع من وعود تتعلق بتحسين الحكامة وجودة الخدمات الصحية وتقريب العلاج من المواطن، إلا أن فئة واسعة من مستخدمي المراكز الاستشفائية الجامعية تعيش حالة من القلق والترقب، بسبب الغموض الذي يلف مستقبل المكتسبات المهنية والاجتماعية والمالية للشغيلة الصحية.
وفي خضم هذا التحول العميق، عاد ملف “منحة المردودية” إلى الواجهة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية داخل الوسط الاستشفائي الجامعي، بعدما أصبحت هذه المنحة بالنسبة للعديد من المهنيين جزءاً من التوازن الاجتماعي والمهني، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغط العمل، ونقص الموارد البشرية، وتعقّد المهام العلاجية والإدارية والأكاديمية داخل المستشفيات الجامعية.
لكن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بمنحة أو تعويض، بل يتجاوز ذلك إلى تساؤلات جوهرية يطرحها المستخدمون اليوم بقلق مشروع: هل ستتم المحافظة على نفس الحقوق والمكتسبات؟ ما مصير الأنظمة الأساسية الحالية؟ هل ستضمن GST الاستقرار الإداري والمهني؟ وإلى أي حد سيتم إشراك ممثلي الشغيلة في القرارات المصيرية المرتبطة بإعادة الهيكلة؟
إن نجاح أي إصلاح صحي لا يمكن أن يتحقق فقط عبر القوانين والمراسيم والهياكل الجديدة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى بناء الثقة مع الموارد البشرية الصحية، باعتبارها القلب النابض للمنظومة الصحية، وضمان الأمن المهني والاجتماعي والنفسي للعاملين داخل المؤسسات الصحية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: هل سينجح الحوار الاجتماعي المقبل في طمأنة مستخدمي المراكز الاستشفائية الجامعية والحفاظ على مكتسباتهم؟
الجواب يبقى رهيناً بمدى توفر إرادة حقيقية لدى مختلف الفاعلين لاعتماد مقاربة تشاركية قائمة على الوضوح والإنصات والتفاوض المسؤول، بعيداً عن القرارات الفوقية أو التدبير التقني الصرف للإصلاح.
كما يظل دور النسيج النقابي محورياً في هذه المرحلة الدقيقة، ليس فقط من خلال التعبير عن مطالب الشغيلة، بل أيضاً عبر ممارسة ضغط مسؤول ومتوازن على وزارة الصحة والفاعلين السياسيين من أجل:
ضمان عدم المساس بالمكتسبات المهنية والاجتماعية؛
الحفاظ على الاستقرار الوظيفي والمالي للمستخدمين؛
إشراك الشغيلة في تنزيل الإصلاحات؛
إرساء عدالة مهنية وتحفيزية داخل المنظومة الصحية الجديدة؛
وضمان انتقال سلس وعادل نحو نظام GST.
فالعمل النقابي اليوم مطالب بالانتقال من منطق ردّ الفعل إلى قوة اقتراحية وتفاوضية قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع الصحي، مع الحفاظ على وحدة الصف المهني والدفاع عن كرامة الشغيلة الصحية.
إن المرحلة الحالية تفرض على الجميع — حكومة، وزارة، نقابات، ومهنيين — تغليب منطق الحوار والمسؤولية الجماعية، لأن أي إصلاح لا يضع العنصر البشري في صلب اهتماماته، يبقى مهدداً بفقدان التوازن والاستقرار.
ويبقى الأمل قائماً في أن يشكل مشروع المجموعات الصحية الترابية فرصة حقيقية لتطوير المنظومة الصحية الوطنية، لا مناسبة جديدة لتوسيع دائرة القلق والاحتقان داخل القطاع، خاصة في صفوف مستخدمي المراكز الاستشفائية الجامعية الذين ينتظرون اليوم أكثر من أي وقت مضى رسائل طمأنة واضحة، تحفظ الكرامة المهنية وتصون المكتسبات الاجتماعية.

