محمد جواد أبو رهف
في كل عيد، يتحول السوق إلى مرآة حقيقية تكشف ما يخفيه المجتمع من تعب وقلق واختلالات. هذا العام، لم يكن الحديث عن الأضحية مجرد حديث عن شعيرة دينية أو عادة اجتماعية، بل عن معركة يومية يعيشها المواطن البسيط أمام أسعار تزداد اشتعالاً، فيما القدرة الشرائية تنطفئ شيئاً فشيئاً.
في الأسواق، ترى الوجوه أكثر من رؤية الأكباش. وجوه متعبة، مترددة، تحمل آلة حاسبة في العقل قبل أن تمد اليد إلى الجيب. أب يجر أبناءه بين الأزقة الضيقة وهو يحاول إخفاء عجزه، وأم تنتظر اتصالاً قد يحمل خبراً عن ثمن أقل، وشباب يراقبون المشهد بمرارة وهم يدركون أن العيد صار عند كثيرين مناسبة للقلق أكثر من الفرح.
لكن خلف هذا الغلاء، لا يقف الجفاف وحده ولا ارتفاع تكلفة الأعلاف فقط، بل أيضاً سماسرة ولوبيات اعتادت كل سنة أن تحول المناسبة الدينية إلى موسم مفتوح للمضاربة. هناك من يشتري الخوف قبل أن يبيع الأكباش، ويراهن دائماً على أن المواطن سيخضع في النهاية لضغط العادة ونظرة المجتمع.
غير أن ما حدث هذه السنة كشف تغيراً واضحاً في وعي الناس. كثيرون اختاروا التريث أو المقاطعة، ليس رفضاً للشعيرة، بل رفضاً للاستغلال. وهذا ما أربك بعض التجار الذين كانوا ينتظرون اندفاعاً جماعياً كالعادة. فجأة، وجد المضارب نفسه أمام مواطن يسأل، يقارن، ويرفض أن يُذبح مرتين؛ مرة بثمن الأضحية، ومرة بثقل الديون بعدها.
ولهذا بدأت التوترات داخل الأسواق. ارتفعت الأصوات، وكثرت التلاسنات، لأن العرض الكبير لم يجد ذلك الطلب الذي كان مضموناً في السابق. إنها فعلاً معركة تكسير عظام بين وعي شعبي بدأ يتشكل، ولوبي يرى في أي تراجع للشراء تهديداً مباشراً لمصالحه.
المؤلم أن بعض الأسر لم تعد تفكر في معنى العيد، بل في كيفية المرور منه بأقل الخسائر. تحولت الفرحة عند البعض إلى حسابات مرهقة، وأصبح المواطن البسيط يشعر وكأنه مطالب كل سنة بإثبات قدرته المالية أمام المجتمع، حتى لو كان ذلك على حساب راحته واستقراره.
ورغم كل شيء، يبدو أن هناك درساً بدأ يُفهم أخيراً: السوق لا يتحكم فيه البائع وحده، بل أيضاً قرار الناس. حين يصبح المواطن واعياً بقيمة اختياراته، تتغير المعادلة، ويكتشف الجشع أن خوف الناس لم يعد كما كان.
فالأضحية في جوهرها شعيرة مرتبطة بالاستطاعة والرحمة، لا مناسبة لاستعراض القدرة ولا فرصة لتحويل معاناة البسطاء إلى أرباح موسمية. وبين الوعي ولوبي الجشع، تبقى المعركة مفتوحة، لكن صوت المواطن هذه المرة بدا أعلى من المعتاد.

