رضوان الغزاوي – باحث في السياسة الدولية والدبلوماسية
جاء خطاب الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الأخيرة في سياق سياسي واجتماعي دقيق، تميز بتصاعد موجة من الاحتجاجات التي عمت عددا من المدن المغربية، مطالبة بإقالة الحكومة ورئيسها، ومعبرة عن حالة من الاحتقان الشعبي تجاه الأوضاع المعيشية والاقتصادية.
أمام هذا المشهد، كان الرأي العام يترقب خطاباً يحمل رسائل حاسمة أو قرارات استثنائية، إلا أن الملك اختار الحفاظ على النهج الدستوري الذي أرساه دستور 2011، مكرساً بذلك قاعدة راسخة في الممارسة السياسية المغربية مفادها أن الملكية تشتغل داخل منطق الدستور، لا فوقه.
الخطاب الملكي ركّز على وظائف البرلمان ومسؤوليته في تسريع وتيرة الإصلاحات والأوراش التنموية، داعيا ممثلي الأمة إلى تحمل مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية أمام الشعب، وتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة خدمة للمصلحة الوطنية. كما شدّد على ضرورة إطلاق جيل جديد من البرامج التنموية والاجتماعية القادرة على تحقيق العدالة المجالية وتخفيف الفوارق الاقتصادية.
من الناحية الدستورية، حافظ الملك على العرف الدستوري الذي يحكم علاقته بالمؤسسات المنتخبة، ولم ينزلق نحو القرارات الشعبوية أو التدخل المباشر في عمل الحكومة، رغم الضغوط الشعبية التي طالبت بذلك. فوفقاً للفصل 47 من الدستور، لا يمتلك الملك صلاحية إقالة رئيس الحكومة إلا في الحالات التي يطلب فيها هذا الأخير إعفاءه، أو بناءً على استقالة جماعية للحكومة، ما يعني أن المساءلة السياسية تبقى بيد البرلمان لا المؤسسة الملكية.
بهذا المعنى، فإن الخطاب الملكي لم يكن دفاعا عن الحكومة ولا انتصاراً لها، بل كان دعوة صريحة لإحياء آليات المساءلة المؤسساتية التي أصابها الجمود، وتذكيرا للنخب السياسية بواجبها في ممارسة أدوارها الدستورية كاملة، بدل انتظار تدخل المؤسسة الملكية في كل أزمة.
كما أن تجاهل الملك الإشارة المباشرة للاحتجاجات لم يكن تجاهلا للأزمة، بل اختيارا محسوبا لعدم إضفاء الشرعية على الخطاب الغاضب أو تحويله إلى مواجهة بين الدولة والمجتمع. إنه خطاب عقل الدولة، الذي يوازن بين الحفاظ على الاستقرار واحترام النص الدستوري، في زمن تتعالى فيه الأصوات الشعبوية وتضيق فيه المساحات العقلانية.
إن قراءة الخطاب الملكي من زاوية استشرافية تكشف أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة ترتيب موازين الثقة بين المواطن والمؤسسات، خاصة بعد أن وضع الملك الكرة في ملعب البرلمان والأحزاب، داعيا إياهم لتحمل مسؤولياتهم التاريخية في إنجاح الأوراش الكبرى.
فمن الواضح أن الملك اختار أن يبقي المؤسسة الملكية في موقع الضامن للاستمرارية والاستقرار، دون أن ينخرط في جدل سياسي أو شعبي، تاركًا للأحزاب فرصة إثبات أهليتها وقدرتها على الاستجابة لمطالب الشارع. هذه الرسالة تحمل في طياتها تحذيرا مبطناً للنخب السياسية من أن زمن الاتكاء على المؤسسة الملكية لتبرير الإخفاقات قد انتهى.
من جهة أخرى، فإن الخطاب الملكي قد يشكل منعطفًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ أعاد التأكيد على أن التغيير لا يأتي من أعلى، بل من داخل المؤسسات المنتخبة عبر آليات المحاسبة والمساءلة التي نص عليها الدستور. وهذا ما قد يدفع نحو إصلاح سياسي هادئ يفرز طبقة سياسية جديدة أكثر ارتباطًا بالمواطن وهمومه.
في المحصلة، يمكن القول إن الخطاب الملكي لم يكن مجرد توجيه ظرفي، بل وثيقة سياسية ودستورية ترسم معالم مرحلة جديدة من ترسيخ الحكامة الدستورية في المغرب، مرحلة عنوانها الوضوح في المسؤولية وربطها بالمحاسبة، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع في إطار من التوازن والاستقرار.

