في السياسة، لا تكفي الشعارات ولا تكفي الخطب الحماسية لصناعة الزعامة. الزعيم الحقيقي يُقاس بقدرته على مواجهة الشارع الذي يعرفه ويعرفه الناس فيه، لا بالبحث عن دائرة انتخابية آمنة أو أقل تكلفة سياسيا. لهذا أثار عدم ترشح عبد الإله بن كيران في دائرته بسلا الكثير من علامات الاستفهام، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن تخوف من هزيمة انتخابية كانت ستشكل ضربة رمزية قاسية.
في الأعراف الديمقراطية، هناك قاعدة غير مكتوبة لكنها شديدة الحضور: رئيس الحكومة أو زعيم الحزب الذي يقود الانتخابات يجب أن يكون قويا داخل معقله قبل أن يطلب ثقة الوطن بأكمله. فكيف يمكن لزعيم سياسي أن يقنع المواطنين بقيادة البلاد بينما يعجز عن ضمان التفاف دائرته المحلية حوله؟ السياسة تبدأ من الحي والمدينة، ومن يفشل في امتحان القرب، يصعب عليه الادعاء بأنه يمتلك شرعية القيادة الوطنية.
لقد عرفت الديمقراطيات الكبرى عبر العالم سقوط أسماء وازنة في دوائرها الانتخابية رغم تصدر أحزابها للمشهد السياسي، وكان ذلك دائما يحمل دلالة أخلاقية قبل أن يكون مجرد رقم انتخابي. لأن الناخب حين يسقط زعيمه محليا، فإنه يبعث برسالة واضحة: “نحن الأقرب إليك لم نعد نثق فيك”.
ما حدث يفتح النقاش أيضا حول طبيعة الأحزاب المغربية وعلاقتها بفكرة الزعامة. فالكثير من التنظيمات السياسية ما تزال رهينة “الزعيم المنقذ”، الذي يتحول مع الوقت إلى مركز ثقل انتخابي وإعلامي، بينما تضعف المؤسسات الداخلية والنخب المحلية. وعندما يصبح الزعيم نفسه متخوفا من صناديق الاقتراع في دائرته، فإن السؤال لا يتعلق بشخصه فقط، بل بصورة الحزب كله.
قد يربح الحزب الانتخابات، وقد يحقق نتائج محترمة، لكن صورة الزعيم الذي غادر دائرة يعرف مزاجها السياسي جيدا ستظل نقطة نقاش طويلة داخل الساحة السياسية. لأن الديمقراطية ليست فقط في عدد المقاعد، بل أيضا في الشجاعة السياسية. والشجاعة تبدأ من مواجهة الناس الذين يعيشون بجانبك، لا من البحث عن طريق أقل خطرا.
محمد جواد أبو رهف

