بقلم: محمد العربي اطريبش
لم يعد جيل اليوم يرفع شعارات الترف أو يلهث خلف مطالب ثانوية بل باتت كلماته صريحة وقاطعة: “ما بغيناش كأس العالم.. الصحة أولاً” هي رسالة قوية تختزل وعي الشباب العميق بأولويات الوطن وتضع الحكومة أمام مسؤوليتها التاريخية في الإصغاء لما يتردد في الشارع لا بما يكتب في تقارير مكاتب مكيفة.
لم يطالب هذا الجيل بإسقاط النظام ولا حرض على الفوضى ولم يسعَ إلى تهديد الأمن والاستقرار، كل ما عبر عنه الشعب هو رغبة مشروعة في القطع مع سياسة الفشل والتسويف التي التصقت بقطاعات أساسية مثل الصحة التعليم والسكن. وهي قطاعات ليست مجرد خدمات اجتماعية بل هي أعمدة بناء الأمم وضمان كرامة المواطن فالوطن الذي لا يؤمن لأبنائه مدرسة لائقة ومستشفى يحفظ حياة الناس يظل رهينة القلق وفقدان الثقة.
الحكومة الحالية، وهي أمام هذا الحراك الشعبي الرمزي مطالَبة أكثر من أي وقت مضى بأن تُترجم وعودها إلى قرارات عملية بعيداً عن لغة التسويف والتطمينات. فالمواطن لم يعد يقتنع بزيارات ميدانية لوزير الصحة لن تتجاوز آثارها لحظة إعلامية عابرة خصوصاً وأن فترة تسييره قد لا تتجاوز سنة داخل هذه التشكيلة الحكومية إن الأمر لا يتعلق بتدشينات ظرفية ولا بخطابات بروتوكولية بل بخطط إنقاذ حقيقية وعاجلة تعيد الثقة بين الدولة والمواطن.
إذا كانت بعض الحكومات السابقة قد أغرتها المشاريع الضخمة والرهانات الدولية، فإن الشعب اليوم يذكّر بأن الرهان الأكبر هو المواطن نفسه فلا بطولة رياضية ولا مشروع عالمي يمكن أن ينجح إذا انهارت صحة الناس وتدهورت مدارسهم وضاقت أمامهم أبواب السكن الكريم الأولويات واضحة، والمعادلة بسيطة إصلاح جذري للتعليم والصحة والسكن أو استمرار نزيف الثقة واحتباس الأمل.
إن الشعارات المرفوعة اليوم ليست ضد الدولة بل هي في صميم الدفاع عنها. هي دعوة للحكومة أن تدرك أن التنمية تبدأ من الداخل وأن الإنسان هو الرأسمال الحقيقي. وما لم تستوعب هذه الرسالة، فستظل الإنجازات الكبرى مجرد عناوين بلا مضمون وصورا براقة لا تحجب جراح الواقع.

