أعاد الجواب الذي قدمه وزير النقل واللوجستيك بشأن تعريفة التكوين بمؤسسات تعليم السياقة النقاش حول واقع القطاع، بعدما أكد أن التعريفة محددة بموجب النصوص القانونية الجاري بها العمل، وأن أي زيادة خارج الإطار القانوني تعد مخالفة، كما أوضح أن مؤسسات تعليم السياقة لا تدخل ضمن القطاعات المستفيدة من الدعم الاستثنائي للمحروقات.
ولا يختلف المهنيون حول إلزامية احترام القانون، غير أن الإشكال المطروح يتعلق بمدى قدرة النصوص الحالية على مواكبة التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فالتعريفة الرسمية المعمول بها لم تعرف أي مراجعة منذ اعتمادها، رغم الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات والتأمين وقطع الغيار والصيانة والأجور والضرائب وغيرها من المصاريف المرتبطة باستغلال مؤسسات تعليم السياقة.
هذا الواقع، وفق مهنيي القطاع، أدى إلى تقلص هامش الربح بشكل كبير، وجعل عدداً من المؤسسات يجد صعوبة في الاستمرار، خاصة وأن نشاطها يعتمد بشكل أساسي على استعمال المركبات واستهلاك الوقود بشكل يومي، ما يجعلها من أكثر الأنشطة تأثراً بتقلبات أسعار الطاقة.
ويثير استثناء مؤسسات تعليم السياقة من الدعم الاستثنائي للمحروقات تساؤلات داخل الأوساط المهنية، خصوصاً في ظل استفادة قطاعات نقل أخرى من هذا الدعم. ويرى المهنيون أن قطاع تعليم السياقة يؤدي خدمة ذات بعد عمومي، باعتباره يساهم في تكوين السائقين وترسيخ مبادئ السلامة الطرقية، ويشكل شريكاً أساسياً في تنزيل الاستراتيجية الوطنية للحد من حوادث السير.
ومن هذا المنطلق، يعتبر المهنيون أن الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن يظل هدفاً مشروعاً، غير أن تحقيقه ينبغي أن يكون مسؤولية السياسة العمومية، لا أن تتحمل مؤسسات تعليم السياقة وحدها كلفته الاقتصادية، بما قد يهدد توازنها المالي واستمراريتها.
كما يؤكد الفاعلون في القطاع أن النقاش لا يتعلق بالمطالبة بتجاوز القانون أو فرض زيادات غير مبررة، وإنما بالدعوة إلى اعتماد حلول مؤسساتية وقانونية تراعي الواقع الاقتصادي، سواء عبر مراجعة التعريفة الرسمية وفق مقاربة تشاركية، أو من خلال إدراج القطاع ضمن المستفيدين من آليات الدعم عندما تفرض الظرفية الاقتصادية ذلك.
وفي السياق ذاته، يشدد المهنيون على أن أي إصلاح ينبغي أن يترافق مع تفعيل القوانين المنظمة للقطاع، ومحاربة المنافسة غير المشروعة والإغراق في الأسعار، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحمي المؤسسات الملتزمة بالقانون.
ويؤكد ممثلو القطاع أن المرحلة الراهنة تستدعي فتح حوار مباشر مع الهيئات المهنية، باعتبار التشاور مدخلاً أساسياً لأي إصلاح ناجح، والاستماع إلى الإكراهات اليومية التي تواجهها مؤسسات تعليم السياقة، سواء المرتبطة بارتفاع تكاليف الاستغلال أو بالإشكالات التنظيمية والمهنية التي أصبحت تؤثر على استقرار آلاف المقاولات الصغرى والمتوسطة.
ويرى المهنيون أن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالتأكيد على المقتضيات القانونية، وإنما إطلاق ورش إصلاحي يأخذ بعين الاعتبار التطورات الاقتصادية والاجتماعية، ويحقق توازناً بين حماية القدرة الشرائية للمواطن وضمان استمرارية مؤسسات تعليم السياقة، باعتبارها مكوناً أساسياً في منظومة السلامة الطرقية.
وفي المحصلة، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء مقاربة قائمة على الحوار والإنصاف، تضمن تحديث النصوص القانونية كلما اقتضت المتغيرات ذلك، وتكرس مبدأ المساواة بين مختلف القطاعات، بما يخدم المصلحة العامة ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار هذا القطاع الحيوي واستدامته.

