إن الملفات الدولية الصعبة ، التي تنتظر دونالد ترامب، بالنظر إلى تعقيداتها، وتداخلها بشكل غير مسبوق، بدء بالحرب الأوكرانية، وانخراط الجيش الكوري الشمالي بها، و دخول السلاح الإيراني لساحتها، و التطورات بغزة و لبنان ، التي ترتبط باليمن و الملف السوري، مرورا للصراع الأمريكي مع الصين.إلى ذلك، هذا ما يدفع بالإدارة الأمريكية القادمة للاشتغال على إنهاء هذه الحروب، إذ تختلف نظرة الحزب الجمهوري عن نظرة نظيره الديمقراطي،حيث يرى الجمهوريون ضرورة تركيز و إدارة الصراع مع الصين، في حين رأى الديمقراطيون قبلهم عكس ذلك ، بتوجيه صراعهم نحو الروس. و بين وجهتي النظر المختلفتين، والواقع الذي فرضته نتائج الانتخابات الأمريكية، ستظل هذه الملفات عالقة، إلى ما بعد 20 يناير 2025. فبخصوص الصراع الذي اشتد مع روسيا وقاده البيت الأبيض برئاسة ” جو بايدن”، يبقى حله يتأرجح بين خيارين لا ثالث لهما وهو: خيار ” هنري كسنجر” و خيار “إلون ماسك” الذي يقترح بإعادة إجراء استفتاء يستفتى فيه سكان الشرق الأوكراني من جديد لتقرير مصير هذا الجزء من أوكرانيا.
هذا، و قد أعلنت الخارجية الروسية على لسان وزيرها” سيرجي لافروف”، عن استعداد موسكو للحوار مع البيت الأبيض لإيجاد تسوية للنزاع على الساحة الأوكرانية، وهي رغبة ملحة للكريملين، خاصة و أن هذه الحرب استنزفت قدرات الجيش الروسي ، و أعادته عشر سنوات للوراء.
في السياق ذاته، إن تخفيض التدخل الأمريكي في النزاع الأوكراني، سيؤهل الناتو للانتقال لإدارة الصراع مع الصين، وذلك بعد إنهاء الحروب الحالية، وهو ما سيؤدي بالولايات المتحدة لاستعادة قوتها بعد انكماشها في الأربع سنوات القادمة، خاصة في ظل مطالب موسكو بالأمن المتكافئ لكل الأطراف، وهو ما يعزل روسيا عن الصين، لأن الكريملين يرى الخطر الصيني القادم كبيرا على حدوده، وهو أيضا ما يتقاطع مع رؤية ” دونالد ترامب” حول الملف الصيني. فالصين استفادت كثيرا من تغذيتها للأزمات الدولية من وراء الستار، وهو ما يرى معه ساكن البيت الأبيض الجديد ضرورة عقد صفقة مع روسيا. لأن الصراع القادم لا تحدده نتائج الحرب الأوكرانية أو صراع الشرق الأوسط أو أي تطور ببحر الصين الجنوبي أو تايوان، بقدر ما هو صراع الإرادات بين واشنطن و بكين على من يتصدر القرن 21.
غير أن عودة ترامب و تشكيله إدارة جديدة للبيت الأبيض، و سياسته الخارجية التي تم الكشف عن خطوطها العريضة ، لا تنفصل عن الوضع داخل الولايات المتحدة الأمريكية ،لأن “مشروع 2025 ” الذي استلهمه ترامب من الكتاب الصادر عن مؤسسة ” هريدتش” التي يرأسها ” كفين روبيرتس”، سيعرقل طموحات دونالد ترامب و إلون ماسك في إدارة الوضع من الداخل، لأن المواجهة مع الدولة العميقة داخل أمريكا، تنطوي على مخاطر كبيرة جدا قد تطال مستقبل الرجلين معا، لأن مواجهة الدولة العميقة هي إعلان حرب صريح على “جماعة المتنورين” و “مؤتمر بلدربيرغ” و ” اللجنة الثلاثية” و” تجمع البنائين الأحرار حول العالم” و “التاج البريطاني” و”الدول السبع الكبرى” و استخبارات التجمع الأنجلوساكسوني. لذلك يتضح أن ترامب و إلون ماسك سيخسران الكثير في المستقبل إن لم يتراجعا عن محاربتهما للدولة العميقة في أمريكا. إذ هذا ما قد يجعل “ترامب” يصطدم مع الجنرالات و المخابرات الوطنية الأمريكية جميعها. من جانب آخر، يسعى “البنتاغون” والشركات العسكرية الأمريكية للتركيز على سد الفجوة و تأخرهم عن الجيش الصيني، وهو ما قد ينجح فيه “إلون ماسك” إن تحالف مع الجيش و الاستخبارات عبر استثماره في التكنولوجيا والاقتصاد لتجاوز سقف الصين، والتأخر الأمريكي و الغربي الواضح في تقنية الصوارخ “الفرط صوتية”، وذلك قبل الإقدام و التفكير في أي مواجهة ضد الجيش الصيني. وهو ما قد تتقاطع الرؤية بشأنه بين البيت الأبيض و البنتاغون كضرورة من ضرورات المرحلة للحاق بالصين. إذ هذا ما انعكس على الوضع في الشرق الأوسط لأن إسرائيل لم تحقق انتصارا عسكريا في حروبها غير انتصارها الأمني و الاستخباري، وهو ما يؤكده الوضع على الساحة في غزة و لبنان و البحر الأحمر القابل لمواصلة هذه الحرب، وهو ما يدفع ببنيامين نتنياهو لاستمرار فيها. فالتهديد الذي يطال الأساطيل الأمريكية بالبحر الأحمر من طرف جماعة “الحوثي” يؤكد أن أمريكا تتأخر ب 10 سنوات عن الصين في ما يتعلق بتقنية الصواريخ الفرط صوتية، وهو ما يثير مخاوف شعبة الاستخبارات داخل الجيش الإسرائيلي ” أمان” من قدرات الجيش الإيراني الصاروخية، و هو أيضا ما أدى ب ” إلون ماسك” لفتح حوار مع إيران عبر سفيرها لدى الأمم المتحدة للدفع بطهران لتهدئة الوضع، في محاولة منه للتمهيد لإنهاء حروب المنطقة المرتبطة ببعضها البعض و المتداخلة و هذا الصراع الممتد بإقليم الشرق الأوسط، وهوما قد ينجح فيه ” إلون ماسك” لأن رؤية ترامب في تدبير هذه الملفات قد تتقاطع مع رؤية الدولة العميقة إن لم تتجاوز إدارته لها اختصاصات البنتاغون ورجاله لأن الجنرالات في أمريكا سيتحركون لمواجهة أي تدخل يعيق دور المؤسسة العسكرية، فإعادة هيكلة العالم لابد لها أن تنطلق من رؤية استخبارات البنتاغون لحسم الصراع مع الصين حول من يتصدر العالم ب القرن 21، لأن “دي أي إي” ترى أن الصراع مع الصين هو صراع عسكري قبل أن يكون صراعا سياسيا، وهو ما تتقاطع الرؤية بشأنه مع لندن عبر ” إم أي 6 ” وباقي الحلفاء في الغرب، حول عزلهم للصين، إذ هو صراع سيكون عنوانا للمرحلة القادمة من أجل ضمان استحقاق تصدر القرن 21 .

نزار القريشي: صحافي مغربي
متخصص في شؤون الأمن و الاستخبارت

