تطوان 44: محمد مسيح
تُعتبر قضية الصحراء المغربية من أقدم قضايا النزاعات الحدودية في العالم في الفترة المعاصرة، وأكثرها تعقيداً. هذا التعقيد ليس بفعل النظام الجزائري الذي تحكمه ثقافة الرفض لكل ما هو مغربي، بل كان دوره منذ البداية أداةً لعرقلة صعود المغرب كفاعل إقليمي لأطول مدة ممكنة بالدرجة الأولى، وكانت قضية الصحراء وسيلة فقط.
جوهر التعقيد الحقيقي يتجاوز الصراع المحلي إلى أجندات جيوسياسية بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، روسيا، فرنسا…) حول النفوذ السياسي وتقاطع المصالح الاقتصادية بمنطقة شمال إفريقيا والقارة الإفريقية عموماً.
بالإضافة إلى مخلفات الحقبة الاستعمارية التي ساهمت في استقلال المغرب نسبياً، وخصوصاً اتفاقية “إيكس ليبان” التي كرّست أنماطاً من التبعية الاقتصادية البنيوية، بحيث ظلت فرنسا مسيطرة على أهم القطاعات الحيوية كقطاع الطاقة والمعادن والقطاع البنكي والنقل والبنية التحتية، وإسبانيا على القطاع الفلاحي والصيد البحري، مع تغييب أي هامش للقرار الصناعي سيادي للمغرب. وبالتالي، حرصت القوى الاستعمارية على جعل المغرب مصدراً للمواد الخام وتحويله إلى سوق استهلاكية فقط، وألا ينهض كمنافس مستقل في قراراته يهدد مصالحها في المستقبل.
كيف حسم المغرب استراتيجياً ملف الصحراء لصالحه بشكل أربك خصومه؟
تُعد الرؤية الملكية حجر الأساس في السياسة الخارجية، والمحدد الأساسي في الدبلوماسية المغربية، بحيث أن الوضوح والحزم والبراغماتية هي مرتكزات استراتيجية جعلت من الدبلوماسية المغربية مرِنة تتكيف مع كل المتغيرات الجيوسياسية. وقد طُورت من دبلوماسية دفاعية تصرف ردود الأفعال إلى دبلوماسية هجومية واستباقية تستشرف المستقبل.
بدأ تنزيل هذه الرؤية الاستراتيجية سنة 2016، بتوجه المغرب نحو خلق تعددية في شركائه مع القوى الكبرى، بتعزيز شراكته مع الولايات المتحدة الأمريكية بالاتفاق الثلاثي المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي في 22 دجنبر 2020، الذي تُوّج باعتراف بمغربية الصحراء وإدخالها ضمن الأجندة السياسة الخارجية الأمريكية.
أما الصين، فمنذ زيارة صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى بكين في ماي 2016، تم توقيع “إعلان الشراكة الاستراتيجية” بذكاء حذر يضمن التوازن في علاقته مع الغرب، حيث انخرط المغرب مع الصين في مبادرة “الحزام والطريق”، باعتبار المغرب بوابة للقارة الإفريقية وقربه من أوروبا. ومن منظور المغرب، فقد انتزع تفاهم استراتيجي ضمني بعدم التدخل السلبي في قضية الصحراء المغربية أو استعمالها كورقة ضغط أو تفاوض.
روسيا أيضاً، في مارس 2016، عرفت زيارة ملكية كانت نقطة تحول في العلاقات الثنائية، حيث وُقّعت عدة اتفاقيات وصدر بيان الشراكة الاستراتيجية المعمقة بين البلدين، أساسها التعاون في المجالات الاقتصادية، والأمنية، والعسكرية، والسياسية، والدبلوماسية. لكن بالنسبة للمغرب، كان الهدف الاستراتيجي هو الاستثمار في الحياد الروسي داخل مجلس الأمن في قضية الصحراء المغربية، سواء على مستوى التصويت أو المفاوضات.
رغم برودة وفتور العلاقات المغربية-الفرنسية بداية سنة 2021،فإن العلاقة مع فرنسا باتت مبنية على التكافؤ والاحترام المتبادل، وليس على التبعية والوصاية. وقد استطاع المغرب إخراج فرنسا من المنطقة الرمادية، وتم إلقاء الرئيس الفرنسي خطابا بالبرلمان المغربي في 29 أكتوبر 2024 أُعلن فيه صراحة عن دعم مغربية الصحراء.
تُعتبر العلاقة بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية بين الدول، حيث تم تجديد بُعدها الاستراتيجي باتفاقية الشراكة في أكتوبر 2019، والتي دخلت حيّز التنفيذ في يناير 2021. وهي تضمن نفس الشروط والامتيازات التجارية والاقتصادية قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ورغم التردد في إعلان موقف واضح من قضية الصحراء المغربية، فإن وزارة الخارجية البريطانية دائماً ما تتبنى موقفاً داعماً للحل السلمي، وتصف مبادرة الحكم الذاتي بالمقترح الجاد وذي مصداقية. وبالتالي، فإن الموقف البريطاني يُعد حيادياً دون تأثير سلبي داخل مجلس الأمن.
الهدف الرئيسي منذ البداية كان تهيئة الشروط الشكلية والموضوعية لحسم ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن، وخصوصاً مع دول أصحاب الفيتو بين داعم، ومؤيد، ومحايد.
المغرب: من الدفاع إلى المبادرة، ومن ردّ الفعل إلى صناعة التوازنات
لا يمكن فهم طموح المغرب اليوم كقوة إقليمية فاعلة دون الحديث عن السياق التاريخي للدور المغربي، الذي امتد لاثني عشر قرناً، وتأسس مع الدولة الإدريسية، وبلغ أوجه مع الدولة المرابطية التي كان لها نفود سياسي،و هيمنة و تأمين الطرق التجارية، ثم الموحدية التي ساهمت في توحيد شمال إفريقيا والأندلس وبسط نفوذها إلى أعماق إفريقيا جنوباً، والدولة المرينية التي كانت منارة للعلم والمعرفة، ثم الدولة السعدية التي استطاعت هزيمة تحالف أوروبي في معركة وادي المخازن، التي أكدت بالملموس على حجم القوة العسكرية للمغرب آنذاك.
بالتالي، فإن طموح المغرب اليوم هو استعادة أمجاده ومكانته التاريخية، عبر شراكة جنوب-جنوب. والكثير فسّر هذه الشراكات بأنها وسيلة لكسب اعتراف بمغربية الصحراء من دول الجنوب، لكن إذا تعمقنا أكثر، فسنجد أن الهدف التكتيكي كان ذلك، أما الهدف الاستراتيجي فهو استرجاع المغرب لدوره التاريخي، و الطبيعي من خلال إحياء الروابط الدينية والعلمية، وخلق دينامية اقتصادية وتجارية، لطالما لعب فيها المغرب دور حلقة الوصل بين الشمال والجنوب، واسترجاع فكرة المغرب كمرجعية سياسية وروحية لبناء النمو والازدهار قارياً، بمنطق التعاون وتبادل الخبرات.
ومن أجل تعزيز هذا الدور، عمل المغرب على بلورة طموحه الصناعي كقطب إقليمي في مجالات الميكانيك، والكهرباء، والطاقات المتجددة، والصناعة العسكرية، بعد المصادقة على قانون التصنيع العسكري، بشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا…في أفق ممارسة الدبلوماسية الدفاعية، بتصدير أسلحة للدول جنوب الصحراء بالإضافة، تهيئة الشروط للتحول الاقتصادي،بتوجه نحو الصناعات عالية التقنية.
يبقى أكبر تحدٍّ يواجه المغرب هو التحديات الداخلية، فمعظم السياسات العمومية تجد نفسها بمقبرة الفساد والرشوة والبيروقراطية، وغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبروز تفاوتات مجالية و اجتماعية، واتساع رقعة البطالة، وأزمة التشغيل. مما لا يدع مجالاً للشك أن السياسات العمومية غير قادرة على مواكبة إيقاع وتميّز السياسة الخارجية للمغرب.
ورغم التعقيد وتعدد المتدخلين في ملف الصحراء المغربية، استطاع المغرب تدبير التوازنات بشكل ذكي. و في المستقبل، سيلقى هذا الموضوع اهتماماً بالغاً من الباحثين في مجال العلاقات الدولية، لتحليل وفهم أعمق للاستراتيجية المغربية التي حوّلت قضية النزاع إلى “الجوكر” في إنهاء النزاع المفتعل،و تعزيز موقعه الجيوسياسي قارياً ودولياً.وكيف حولت أزمات إلى فرص.
بقلم: محمد مسيح
طالب بسلك الماستر “السياسات الدولية و الدبلوماسية و الرقمنة بكليّة الحقوق بتطوان

