رغم ما تزخر به القارة الإفريقية من ثروات طبيعية وطاقات بشرية هائلة، إلا أن العديد من دولها لا تزال غارقة في أتون الأزمات المتعددة الأبعاد من حروب أهلية، وانقلابات، ونزاعات حدودية، إلى كوارث إنسانية، وتدهور في الخدمات الأساسية. وهنا يبرز دور منظمة الأمم المتحدة التي رسمت لها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مهمة نبيلة حفظ السلم والأمن الدوليين، وتحقيق الاستقرار العالمي.
إفريقيا، التي أصبحت ساحة متكررة للتوترات، مثلت مسرحًا أساسيًا لتدخلات الأمم المتحدة، سواء عبر بعثات حفظ السلام، أو المساعدات الإنسانية، أو الوساطات السياسية. غير أن هذه الأدوار، رغم كثافتها، غالبًا ما اصطدمت بعوائق حقيقية، كضعف التنسيق مع الفاعلين الإقليميين، ومحدودية التفويض الممنوح، وتباين السياقات السياسية والثقافية بين الدول…من رواندا إلى الكونغو، ومن جنوب السودان إلى الصومال، تفاوتت نتائج التدخلات الأممية بين نجاحات نسبية وإخفاقات هيكلية. ففي بعض الحالات، ساعدت البعثات الأممية على نزع فتيل الحروب وفتح مسارات تفاوض. وفي أخرى، لم تتجاوز التدخلات حد الحضور الرمزي، أو حتى فاقمت الأزمات بسبب غياب الاستيعاب الكافي للخصوصيات المحلية.
وتتجلى إحدى الإشكاليات الكبرى في تعاطي الأمم المتحدة مع قضية الصحراء المغربية، أحد أقدم النزاعات المطروحة على طاولة مجلس الأمن. ورغم انخراط الأمم المتحدة منذ عقود في البحث عن حل، إلا أن خطط الاستفتاء باءت بالفشل، ليظهر في المقابل مقترح الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي وذي مصداقية، مدعوم من قوى دولية وازنة.
ولا يمكن الحديث عن دور المنظمة الأممية في إفريقيا دون التوقف عند الحضور المغربي اللافت، سواء عبر المشاركة الفعالة في بعثات حفظ السلام، أو من خلال ريادته في قضايا الهجرة والمناخ، ومحاربة الإرهاب، وصولًا إلى استخدامه للدبلوماسية الدينية كأداة لنشر ثقافة الاعتدال والتسامح في مناطق الأزمات. في المقابل، يظل أداء الأمم المتحدة في إفريقيا خاضعًا لانتقادات متكررة، خاصة فيما يتعلق بالأزمات المزمنة التي لم تُحلّ، رغم عقود من التدخلات. من أزمة الجنود المرتزقة، إلى انتهاكات حقوق الإنسان، إلى القرصنة، وأزمة اللاجئين، والمجاعات، وتحديات تغير المناخ، كلها مظاهر تثبت أن معالجة السطح لا تُنتج حلولًا دائمة.
ويبقى السؤال المركزي مطروحًا: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تطوّر آليات تدخلها بما يتلاءم مع خصوصيات القارة؟ وهل سيتحقق تحول حقيقي في الأداء الأممي، في ظل عودة النقاش حول إصلاح مجلس الأمن، وتعزيز الشراكات الإقليمية، وتمكين الدول الإفريقية من قيادة مسارات الحل داخل أوطانها؟
المطلوب اليوم ليس مجرد حضور أممي، بل إرادة سياسية دولية حقيقية، وانخراط إفريقي واعٍ، ورؤية طويلة الأمد تتجاوز التدخلات الظرفية نحو حلول بنيوية ومستدامة. فلا يكفي أن تكون إفريقيا محورًا في أجندة الأمم المتحدة، بل يجب أن تكون طرفًا فاعلًا في تحديد تلك الأجندة.
بقلم الطالب الباحث رضوان الغزواني

