متابعة محمد العربي اطريبش
تحولت أزمة الهجرة غير النظامية بمدينة سبتة المحتلة من ملف أمني وإنساني إلى أزمة سياسية وحقوقية حقيقية داخل إسبانيا، بعدما انتقل الاحتقان من النقاش حول تدبير تدفقات المهاجرين إلى الشارع، في مشاهد وصلت إلى إحراق مآوي مؤقتة للمهاجرين، وإتلاف متعلقاتهم، ومحاولة منع المساعدات الإنسانية من الوصول إليهم، وسط تصاعد خطاب رافض لوجودهم بالمدينة.
هذه التطورات تضع الصورة الحقوقية الإسبانية أمام امتحان صعب، خصوصاً أن مدريد لطالما قدمت نفسها، باعتبارها جزءاً من الاتحاد الأوروبي، كمدافع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، قبل أن تكشف أزمة سبتة عن واقع آخر يستدعي الكثير من الأسئلة حول حماية المهاجرين من العنف والكراهية وضمان أبسط حقوقهم الإنسانية.
فالأحداث التي شهدتها المدينة خلال الأيام الأخيرة تجاوزت حدود الاحتجاج المشروع على تدبير الحكومة الإسبانية لملف الهجرة، بعدما اقتحم محتجون مناطق يقيم فيها مهاجرون، وأقدم بعضهم على تخريب مآويهم وإحراق أجزاء منها وإتلاف متعلقاتهم، في وقت اضطرت فيه الشرطة الإسبانية إلى التدخل للفصل بين الأطراف ومنع الوضع من الانزلاق نحو مواجهات أكثر خطورة.
ولعل المشهد الأكثر إثارة للقلق تمثل في اعتراض متظاهرين سبيل قافلة تابعة للصليب الأحمر الإسباني “Cruz Roja”، كانت متجهة نحو شاطئ الطرمبولين لتوزيع المواد الغذائية والمساعدات الأساسية على المهاجرين الموجودين هناك.

وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسبانية ودولية، استمر منع إحدى شاحنات الصليب الأحمر من الوصول إلى المنطقة لأكثر من ساعتين، فيما ردد محتجون شعارات رافضة لبقاء المهاجرين، قبل أن تتدخل السلطات في ظل حالة الاحتقان التي عرفتها المدينة.
إن الوصول إلى مرحلة يصبح فيها تقديم الطعام والماء والمساعدات الإنسانية لفئة موجودة في وضعية هشاشة محل اعتراض واحتجاج يمثل تحولاً خطيراً في طبيعة الأزمة. فمهما كانت الخلافات السياسية حول الهجرة، لا يمكن أن يصبح الغذاء أو الدواء أو العمل الإنساني نفسه هدفاً للصراع.
وهي مشاهد يصعب استيعابها داخل دولة ديمقراطية أوروبية تقدم نفسها مدافعاً عن حقوق الإنسان، وتعيد إلى الواجهة أسئلة ثقيلة حول الحدود التي بلغها الخطاب المناهض للمهاجرين داخل سبتة، خصوصاً عندما ينتقل من المطالبة بإيجاد حلول سياسية وأمنية إلى استهداف المهاجرين أنفسهم أو عرقلة الجهات الإنسانية التي تقدم لهم المساعدة.

الأخطر أن ما يجري يتزامن مع صعود قوي لخطاب اليمين المتطرف والمناهض للهجرة في إسبانيا وأوروبا، حيث تحول ملف المهاجرين خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الأوراق الانتخابية والسياسية التي تستعمل للضغط على الحكومات ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.
ومن هنا تبرز التساؤلات بشأن حجم الاستثمار السياسي في أزمة سبتة، ومحاولة بعض التيارات تحويل حالة الغضب الموجودة لدى جزء من السكان إلى ورقة سياسية لمهاجمة الحكومة الإسبانية وسياساتها المتعلقة بالهجرة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن حزباً أو تنظيماً سياسياً بعينه يقف مباشرة خلف كل حادثة شهدتها المدينة، غير أن الخطاب السياسي الذي يصور المهاجر باعتباره تهديداً دائماً للأمن والمجتمع يخلق بيئة خصبة لنمو مشاعر العداء والكراهية، وقد يدفع بالأزمة من النقاش السياسي المشروع إلى ممارسات خطيرة في الشارع.

وهنا تحديداً تبرز مسؤولية السلطات الإسبانية، ليس فقط في تدبير ملف الهجرة من الناحية الأمنية، وإنما أيضاً في حماية الأشخاص الموجودين فوق الأراضي التي تديرها، ومنع الاعتداء عليهم أو استهداف ممتلكاتهم ومآويهم، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم دون عرقلة.
فحقوق الإنسان لا يمكن أن تخضع لجنسية الشخص أو وضعيته القانونية. والمهاجر الموجود بطريقة غير نظامية يظل إنساناً يتمتع بحقوق أساسية لا تسقط بمجرد عبوره الحدود دون ترخيص.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه بعض الأصوات داخل إسبانيا بمحاولة تحميل المغرب مسؤولية الأزمة، فإن الوقائع الميدانية تؤكد أن المملكة واصلت مجهوداتها للتصدي للهجرة غير النظامية ومنع محاولات عبور جديدة نحو سبتة المحتلة.

وعززت السلطات المغربية انتشارها ومراقبتها بالمناطق المحاذية للمدينة، واعترضت مجموعات كانت تستعد للعبور، في وقت أكدت فيه وزارة الداخلية اتخاذ التدابير الضرورية لمواجهة الدعوات التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وحرضت على تنظيم محاولات جماعية للهجرة غير النظامية.
كما انتقلت المواجهة إلى الفضاء الرقمي، بعدما جرى رصد منشورات ورسائل مجهولة المصدر تشجع على محاولات العبور، إلى جانب توقيف مشتبه في ارتباطهم بمجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيق “واتساب” استُعملت للتحريض والتنسيق لمحاولات الهجرة غير النظامية.
وتبرز هذه التحركات أن المغرب لم يقف موقف المتفرج أمام محاولات التدفق نحو سبتة، بل واجهها أمنياً وقضائياً ورقمياً، سواء من خلال تعزيز المراقبة الميدانية أو اعتراض المرشحين للهجرة أو ملاحقة المشتبه في تحريضهم على عمليات العبور الجماعي.

كما أوقفت السلطات عدداً من المشتبه في تورطهم في أعمال عنف وتخريب رافقت بعض محاولات التدفق، بعدما لحقت أضرار بممتلكات عامة وخاصة وآليات تابعة للقوات العمومية، وهو ما استدعى فتح أبحاث وترتيب المسؤوليات القانونية في حق المشتبه في تورطهم.
لكن في مقابل هذه المجهودات، يستمر جزء من الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني في البحث عن تحميل المغرب مسؤولية الأزمة، وكأن الرباط مطالبة وحدها بحراسة الحدود الأوروبية وحل ملف دولي تتداخل فيه مسؤوليات دول المصدر والعبور والاستقبال والاتحاد الأوروبي نفسه.
وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها: عندما يمنع المغرب المهاجرين من الوصول إلى سبتة، تتعالى أصوات تنتقد طريقة إدارة ملف الهجرة، وعندما يتمكن المهاجرون من الوصول إلى المدينة، يعود المغرب مجدداً إلى دائرة الاتهام بالتقصير في مراقبة الحدود.
هذه المعادلة تجعل المغرب أمام اتهام جاهز مهما كانت النتيجة، بينما يتم في المقابل إغفال مسؤولية إسبانيا والاتحاد الأوروبي عن تدبير الأشخاص الذين أصبحوا داخل سبتة وعن ضمان أمنهم وحقوقهم وكرامتهم.
والأحداث الأخيرة جاءت لتقلب جزءاً من الصورة.
فبدلاً من استمرار النقاش حصراً حول ما يقوم به المغرب لمنع الهجرة، أصبح السؤال اليوم موجهاً أيضاً إلى الجانب الإسباني: ماذا فعلت السلطات لحماية المهاجرين الذين ناموا في العراء؟ وكيف وصلت الأوضاع إلى إحراق مآويهم؟ وكيف تمكن محتجون من عرقلة شاحنة تابعة للصليب الأحمر كانت تحمل الطعام إليهم؟ وإلى أي حد أصبح الخطاب المناهض للهجرة قادراً على التأثير في الشارع؟
إن إحراق مآوي مهاجرين وإتلاف متعلقاتهم وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إليهم ليست تفاصيل هامشية في أزمة بهذا الحجم، وإنما وقائع تضرب في عمق الصورة التي تسعى أوروبا إلى تقديمها عن نفسها باعتبارها فضاءً لحقوق الإنسان.
كما أن هذه الأحداث تمنح اليمين المتطرف فرصة لاستثمار الغضب الشعبي وتوجيهه نحو المهاجرين، ثم استعمال الأزمة نفسها للضغط على الحكومة الإسبانية وعلى الاتحاد الأوروبي من أجل تبني سياسات أكثر تشدداً في ملف الهجرة.
وفي الوقت نفسه، قد تتحول الأزمة إلى وسيلة للضغط على المغرب ومحاولة وضعه في خانة المتهم بالتقصير في مكافحة الهجرة غير النظامية، رغم المجهودات الأمنية التي تبذلها المملكة على الأرض لمنع التدفقات ومواجهة شبكات التحريض.
ومن المفارقات أيضاً أن بعض المهاجرين قد يقدمون المغرب باعتباره المسؤول الوحيد عن أوضاعهم، بينما تكشف الوقائع داخل سبتة أن الوصول إلى الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية لم يكن بالضرورة نهاية لمعاناتهم، بعدما وجد عدد منهم أنفسهم أمام ظروف إقامة صعبة واحتقان اجتماعي متزايد وخطاب رافض لوجودهم.
أزمة سبتة، بهذا المعنى، أسقطت الكثير من الأقنعة.
فهي كشفت أن الهجرة لم تعد مجرد انتقال غير نظامي للأشخاص عبر الحدود، وإنما تحولت إلى سلاح سياسي وانتخابي وإعلامي تتصارع حوله الأحزاب والحكومات، فيما يدفع المهاجر ثمن هذا الصراع.
كما أظهرت أن تحميل المغرب وحده مسؤولية الأزمة لا يمكن أن يصمد أمام الوقائع. المملكة تقوم بدورها في مواجهة محاولات الهجرة غير النظامية، وتعترض عمليات العبور وتلاحق شبكات التحريض، بينما تبدأ مسؤولية إسبانيا بشكل كامل تجاه الأشخاص الموجودين داخل الأراضي التي تديرها.
وإذا كانت أوروبا تطالب المغرب بأن يكون شريكاً قوياً في حماية الحدود ومكافحة شبكات الهجرة غير النظامية، فمن حق المغرب بدوره أن ينتظر من شركائه الأوروبيين تحمل مسؤولياتهم وعدم تحويله إلى شماعة تعلق عليها الأزمات الداخلية المرتبطة بالهجرة.
أما إسبانيا، فإنها توجد اليوم أمام اختبار يتجاوز بكثير مسألة ضبط شواطئ سبتة أو نقل المهاجرين من مكان إلى آخر.
الاختبار الحقيقي هو مدى قدرتها على حماية الإنسان عندما يصبح غير مرغوب فيه لدى جزء من الشارع، وعلى ضمان وصول الطعام والمساعدة إليه، ومنع تحويل الغضب السياسي إلى استهداف جماعي للمهاجرين.
لأن حقوق الإنسان لا يمكن أن تكون خطاباً موجهاً إلى الضفة الجنوبية للمتوسط فقط، وإنما التزاماً يبدأ تطبيقه أولاً داخل الأراضي التي ترفع فوقها الأعلام الأوروبية.


