بقلم : نزار القريشي
إن تطور العلوم الإنسانية، بدء بالحضارة الإغريقية ، التي كانت تشع شمسها من أثينا، و ظهور عصر الفلسفة و أسئلتها الوجودية، باعتبارها أساس النظر العقلي في الموجودات ، مرورا لعصر التنوير و النهضة، الذي شهدته أوروبا ، وما إلى ذلك، بعد مجيء الثورات الصناعية ، وتطور الرأسمالية من نمط إقتصادي إلى نمط شامل ومتكامل الأركان، باعتبار “الرأسمال” هو مصدر القوة والمعرفة الوحيد، وهو ما يتجلى بعد تجاوز مرحلة ما بعد الإنسانية و الأديان ، إذ يؤكد ذلك قدرة الفلسفة عبر الفيلسوف “فريديريك نيتشه” على سبر أغوار و أعماق النفس البشرية، وما تنطوي عليه من إرادة للقوة، وهو ما سرع من بزوغ عصر الإنسان الأعلى أو الكوني بمفهوم أكثر دقة و شمولية ،حيث ساعدت العلوم و التقنية التي توصلنا إليها في عصرنا الحالي على تحقيق ذلك، و بالعودة للنصوص التي أبدعها عقل الفيلسوف “فريديريك نيتشه”، يتجلى واضحا التفكيك البنيوي الذي تضمنه منجزه حول هشاشة الأخلاق والخير تلك القيم التي اخترعتها الأغلبية من الضعفاء ، وهي ثلة من القيم و المفاهيم تنطوي على هشاشة تتعلق بالفهم عند كل المجتمعات بشكل عام، والمحافظة منها بشكل خاص، مما أثار موجة من الرفض لأفكار نيتشه، من الكنيسة والجامعات والمجتمعات الأوروبية في معظمها ، فنيتشه القادم من المستقبل حينها، عجر معاصروه على فهمه، لأن أوروبا كانت غارقة في ماضيها الديني
و تراث الكنيسة المنقسم على نفسه بين مذاهبه، فكانت رحلة “فريديريك نيتشه” ، رحلة فلسفية نحو التحرر من قيود القيم الزائفة ،حيث تمحورت أفكاره الرئيسية حول عدة محاور فلسفية، يمكن حصرها في العناوين التالية :
– الإنسان الأعلى
– إرادة القوة
– موت قيم الإله
– الأخلاق كأداة للضعفاء
– القوة كوسيلة لضبط المجتمعات
وهنا يبرز التناص في بعض المفاصل الفكرية بين “فريديريك نيتشه” و “نيكولو مكيافيلي”، خاصة في تنظير كل منهما لأسلوب الحكم، وكيف يجب أن يكون الحاكم، وهو ما يتجلى حول أسس الحكم والتدابير الملحقة به، الذي ضمته الخطوط العريضة لكتاب “نيكولو مكيافيلي” الموسوم ب ” الأمير”، حيث يتجلى الموقف العام، الذي طرحه مكيافيلي عن القيم والأخلاق، في ظل وجود مجتمعات غارقة في بحر هذه القيم الزائفة ، مما يساعد الحكام في ضبط المجتمعات وإعادة تأهيلها والسيطرة عليها وفق إرادة القوة . و أما عن الأخلاق فقد اعتبر نيتشه من يتمسك بها ، هو إنسان فاقد للمعنى، إذ ينكشف من هذا المعنى الثمن الحقيقي للحرية، لذلك كانت الحرية سؤالا لا جواب عليه، غير أن نيتشه يوضح أكثر قائلا : “أن الفرد يقاسي ليبقى حرا من هيمنة المجتمع و القطيع…” و من القيم التي لا معنى حقيقي لها، وهو ما يؤكد في النهاية أن “الإنسان الأعلى” هو الكائن الذي يمتلك نفسه وسط زيف هذه القيم، لذلك عندما نمعن التفكير في تفكيك “نيتشه” لهذه القيم نكتشف اختراقا لأعماق النفس البشرية، فالحرية عند امتلاكها تصل بالفرد إلى جوهر ذاته، بل إنها تتجاوز حدود الفرد، لتعيد صقل وتشكيل علاقته بالعالم ، وهو ما يتطلبه جوهر التجربة الإنسانية، الذي يقودنا لامتلاك أنفسنا ، وهو أيضا ما يقودنا إلى معارج التغيير عبر العصور، فالعظماء دائما يبنون جسورهم بانفسهم ، عندما يختارون الوقوف بجانب حريتهم.
لذلك تبقى تأملات “فريديريك نيتشه” في معظمها تقدم تعرية شاملة للضمير الجمعي للأمم ، حيث هزت أفكاره وعمقها هشاشة فهم الأخلاق من جذورها، وتفسيره لمفهوم الخير والشر ، ينطوي على نفس الخصائص التفكيكية، بقدر ما يؤكد لنا ضرورة نسفها، فهي تخفي غريزة القطيع في الرفض والقبول ، فالانسان عندما يتحدث عن الأخلاق لا يتحدث عن صورة مجردة بل عن ضعف ، وهو ما يفضح النية التي تنطوي عليها أحكامه ، لأن الإنسان في عمقه يدين القبح لا الشر ، ويحب الجمال لا الخير ، وهو ما قادنا من خلاله “نيتشه” لعوالم الحكمة عبر التعمق فيما يطرحه، فالحياة هي تلك القوة المتدفقة التي لا يمكن احتواؤها، إلا عبر فهم عميق للفلسفة، حيث يجب أن يمتزج هذا الفهم بالإدراك الواعي، وهو من جانب آخر ، ما يتضح مع فيلسوف الوضوح “باروخ اسبينوزا” عبر قراءات مستفيضة لنصوصه أيضا .
هذا. و من جانب آخر ، يعمق الفيلسوف الألماني “لايبنتز” ذلك الفهم عندما قال : “نحن ندرك أننا احرارا ، لأننا نشعر بالقدرة على اتخاذ قراراتنا ، ولكن هذه القرارات تتبع سلسلة حتمية من الأسباب و النتائج ..”، وهو ما يبقى عالقا بين الإرادة الحرة و الحتمية، غير أن “نيتشه” يؤكد: ” أن الإرادة الحرة ليست أكثر من أسطورة صنعها الفلاسفة لإعطاء البشر شعورا بالتحكم و السيطرة…”و هو ما يجيب عنه “شوبنهاور” بقوله : “يمكن للإنسان أن يفعل ما يريد، ولكنه لا يستطيع أن يريد ما يريد…” .
إذ ذاك ما يبقي السؤال عن ماهية الحرية ، ينتظر إجابات أكثر عمقا من فلاسفة اليوم.
– كاتب و صحافي مغربي

