بقلم : نزار القريشي
إن تدحرج الحرب ضد إيران و استمرارها، بات من الواضح عرقلتها لمسار سرعة تشكيل خارطة إسرائيل الكبرى، قبل مخطط انتقال الوضع لتركيا، ثم مصر و السعودية، والصراع المفتعل بين السنة والشيعة، قبيل التخلص من كليهما، وهو ما ستتخلله فوضى قد تسود المنطقة، عبر توجيه و تجديد نشاط جماعات الإسلام الراديكالي، الذي قد ينطلق من سوريا و ينتقل للعراق، فمنطقة الصحراء الكبرى و الساحل بأفريقيا، و هو ما يتجلى و الحروب المفتعلة بمحيط الحدود الشرقية و الغربية والجنوبية للدولة المصرية، للتشويش على الجيش المصري وتشتيت قدراته الدفاعية، و من جهة أخرى، للتشويش على الجيش التركي أيضا، من خلال اشعال الأزمة بينه وبين اليونان و شطر قبرص اليوناني ، غير أن احتمال دخول لاعبيين من تحت الطاولة على خط المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران و الإقليم، يؤكد على إمكانية تحييد أنقرة للدعم التركي الموجه لأوروبا، في مواجهة الكريملين، بسبب الدعم الأوروبي المحتمل لإسرائيل في مواجهتها لتركيا ، و بسبب أيضا ضرورة امتصاص تركيا لغضب الكريملين، بعد تورط أنقرة في دعم الجيش الأوكراني ، وهو ما قد ترى فيه براغماتية الأتراك ضرورة ملحة، في خضم المشاكل من داخل الناتو ، واحتمال دعم بعض أعضاءه لإسرائيل، في أي مواجهة محتملة ضد تركيا، وهو ما ستحاول تل أبيب التصدي له من خلال خلط الأوراق بمربع البحر الأسود و البوسفور و الداندانيل، لتعكير الأجواء بين تركيا و روسيا الإتحادية، و هو ما يتجلى و مؤديات تنامي المشاكل من داخل الناتو، و سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الأوروبيين. وهو من جانب آخر ، ما يعزل أوروبا عن أمريكا ، وينذر بتفكك اللجنة الثلاثية، وهو أيضا ما قد يؤدي إلى هزيمة اليابان فى أية مواجهة محتملة لها مع الصين ، إذا ما اخذنا بعين الاعتبار ، تعاضد أواصر الحلف الذي يجمع بين الصين وروسيا و كوريا الشمالية و إيران، مما قد يدفع بجماعة المتنورين و تجمع البنائين الأحرار حول العالم ، للتضحية بأمريكا من خلال مخططهما الرامي لانهيار الدولار، وهو شرط أساسي من شروط سقوط وانهيار الاقتصاد الصيني، و -طبعا- من وجهة نظرهم ، نظرا لتركيز بجين عبر تاريخ سياستها الاقتصادية على امتلاك الأصول الدولارية والدولار فقط، و هو ما قد يؤمنه و يعمل على التغطية على تداعياته بالنسبة لرؤوس الأموال الكبيرة الفرنك السويسري على المدى المتوسط ، و الشيكل الإسرائيلي على المدى البعيد.
لذلك، فإن تطور الصراعات ذات الطابع الاقتصادي،
بسبب رغبة الكبار في الهيمنة على الموارد، سيطور حتما الصراع بمحيط بحر الشمال، و الذي سيتزامن و إنهاء خطة رسم طريق التجارة الجديد، الذي يربط موانئ إسرائيل بالإمارات و الهند و أوروبا، وهو ما يزيد من التقارب حول المصالح المشتركة بين بجين و موسكو ، و قد يبلور سرعة غير متوقعة، في تطوير حلف بريكس، بسبب التضييق الذي تمارسه إسرائيل على طرق التجارة الصينية، وهو صراع اقتصادي و تقني تقوده إسرائيل ضد بجين، لتتمكن إسرائيل الكبرى من بسط سيطرتها على العالم دون منافس ، وهو أيضا ما حاول الرئيس دونالد ترامب امتصاصه و التقليل من خطورته، بدعوته لاجتماع الدول الخمس الكبار، و الذي يضم كلا من أمريكا والصين وروسيا و الهند واليابان. لعزل أوروبا أولا ، خاصة بعد مرحلة البريكست و انسحاب لندن من أوروبا، بسبب العلاقة الخاصة التي تربطها بواشنطن، وهو ما سيؤدي لتراجع منطقة الأورو وانكماشها، لأن سيطرة إسرائيل الكبرى على العالم، باتت تتطلب وفق الخطط الموضوعة لذلك ، التخلص من صعود منطقة الأورو و تفكيكها ، و التخلص أيضا من صعود الاقتصاد الصيني وتدميره، وهو ما يتبع بتوريط الكريملين في حروب استنزاف طويل الأمد، في إطار ما يندرج الحديث عنه بالحرب العالمية الثالثة ، وهي رؤية صادرة من الجماعات السرية، التي تدير العالم ، غير أن تفكيك اللجنة الثلاثية، امام دعوة الرئيس دونالد ترامب لاجتماع مجموعة الخمس الكبرى، واستبعاد أوروبا ، هو ما دفع بالفاتيكان قبلا و في خطوة استباقية للسماح بصعود اليمين الإيطالي، ممثلا في جورجيا مليوني لموازاة مجيء ترامب كرئيس لأمريكا للمرة الثانية، إذ يزيد ذلك من معظلة اليمين الأوروبي، من وجهة نظر الدولة العميقة، المرتبط بمشاكل الهجرة بأوروبا والتهديدات التي يؤكدها تطور النمو الديمغرافي داخلها مستقبلا ، وهو خلل من داخل أوروبا، تعرفه تل أبيب وتريد استغلاله، لتحقيق انتقال العرق الأبيض النقي من أوروبا وحصره فقط في إسرائيل الكبرى، وهو أيضا ما يرتبط بشرط من شروط انتقال الحضارة لإسرائيل الكبرى، غير أن احتمال عدم استسلام دول كبرى في المنطقة كمصر و تركيا و العربية السعودية وباكستان، أمام رغبة شعبة استخبارات “أمان” في هندستها قضم أراض مصرية و
سعودية و تركية و أردنية ولبنانية وسورية و عراقية و يمنية، و ضمها لإسرائيل الكبرى، في ظل مشروعها من النيل إلى الفرات، هو ما يعرقل إنجاز خرائط برنارد لويس، التي خصصت للمنطقة العربية عبر تقسيمها وتفتيتها من جديد، حيث صممت هذه الخرائط في الأصل لخدمة مشروع إسرائيل الكبرى و خريطتها الموسعة، لذلك إن الوضع ما بعد حرب إيران و ما يليها، و ما بعد احتمال التطور ببحر الصين الجنوبي، و المحيط المتجمد الشمالي وما يليهما، و تطور أزمة تضخم الاقتصاد العالمي المرتبط بالدولار ، يؤهل تحقيب التاريخ لمرحلة صعود اليمين بأوروبا، ومعه الرايخ الرابع بألمانيا، و الذي تؤكد مراكز الأبحاث العلمية الأنجلوساكسونية، على أنه سيتحالف مع روسيا الإتحادية و تركيا و إيران وسوريا و ليبيا، وهو حلف قد يفاجىء إسرائيل الكبرى ، خاصة إن كانت الحضارة قد انتقلت من الغرب إلى الشرق واستقرت بالصين.
إذ إن هكذا تطور ، قد يؤدي إلى قيام عالم متعدد الأقطاب، تقوده إمبراطوريات، قد تجهض أحلام إسرائيل الكبرى في تصدر العالم بشكل أحادي، ما بين سنة 2065 م و 2075 م.
صحافي مختص في شؤون الأمن والاستخبارات

