بقلم إيمان أشيخان باحثة في السياسة الدولية والدبلوماسية والرقمنة
يعيش المغرب تاريخيا، في ظل هوية دينية واضحة، تشكل فيها المرجعية الإسلامية، عنصرا تأسيسيا في البناء الثقافي والاجتماعي والدستوري، ورغم هذا الوضوح، ظل المجتمع المغربي قادرا على استيعاب التعدد الديني؛ فمارس اليهود والمسيحيون شعائرهم في ظل الاحترام المتبادل دون أن يتحول الاختلاف إلى صدام يهدد رمزية الأغلبية ويخل بالسلم الاجتماعي.
غير أن التحولات الفكرية والنقاش المعاصر أفرز إشكاليات جديدة، تمثلت في بروز مطالب من بعض التيارات الفردانية واللادينية التي تدعو إلى إعادة تعريف حدود الفضاء العام، والتي تشمل إزالة الرموز الدينية من بعض المرافق العمومية تحت ذريعة الحياد.
ومن أبرز الأمثلة على هذه المطالب، السعي لإزالة الآيات القرآنية والشهادة من سيارات نقل الأموات.
هذا الطرح يثير تساؤلا جوهريا مفاده، هل الحياد في الفضاء العام يعني محو رمزية الأغلبية المسلمة لإرضاء فئة معينة، أم أن حدود الحرية الفردية عليها أن تراعي احترام المجتمع وأصوله وثوابته الدينية في ضوء هويته التاريخية، بوصفها أساس التعايش والاستقرار الاجتماعي؟
تصاعد المطالب الفردية لمواجهة الرموز الدينية للمجتمع
يشهد النقاش العمومي في المغرب في السنوات الأخيرة، تحولا تصاعديا في طبيعة الطروحات والمطالب التي لم تعد تكتفي بإعلان الاختلاف الديني، فانتقلت من مجرد اختلافات فكرية هامشية وتعبيرات فردية محدودة لا تتجاوز نطاق قناعات أصحابها، إلى مطالب صريحة تمس حضور الرموز الدينية في الفضاء العام؛ الأمر الذي أضفى بعدا هوياتيا يتجاوز الإطار الفردي.
فبدأ بعض العلمانيون يطالبون بإزالة الآية القرآنية والشهادة من سيارة نقل أموات المسلمين، وذلك انطلاقا من تصورهم الذي يقوم على مبدأ حياد الفضاء العام، وفصل الرموز الدينية عن المرافق العمومية؛ التي يرونها خدمات عمومية. فهم ينطلقون من فكرة أن الموت واقعة إنسانية مشتركة، ولا ينبغي -في رأيهم- أن تؤطر برمز ديني معين، إذا كانت السيارة تابعة لمرفق عام يخدم جميع المواطنين باختلاف معتقداتهم.
هذا الموقف يستند غالبا إلى مرجعية فكرية متأثرة بالعلمانية، كما تبلورت تاريخيا في سياق أوروبي، وخصوصا النموذج الفرنسي، باعتبارها دولة لائكية، التي تشدد على الحياد الرمزي للمؤسسات العامة. ومن هذا المنظور يعتبرون أن وجود آيات قرآنية قد تشعر غير المسلمين أو المتدينين بأن الفضاء العام مؤدلج دينيا.
غير أن واقع المجتمع المغربي يعتبر الإسلام مكونا مركزيا في الهوية الثقافية والاجتماعية، فكان التعبير عن اللادينية أو الإلحاد تقليدا محدودا، وفي الغالب غير معلن. ومع تحولات العصر الرقمي، وتطور تكنولوجية وسائل الاتصال، وصعود خطاب الحقوق الفردية، بدأ بعض الأفراد يعبرون عن تصوراتهم ومواقفهم علنا، سواء تعلق الأمر بالإلحاد أو الإفطار العلني في رمضان، وفتح المطاعم خلال ساعات الصيام.
حيث يرى هؤلاء أن من حقهم ممارسة قناعاتهم دون وصاية جماعية، سعيا لنزع الاعتراف بوجودهم؛ هنا انتقل النقاش من نطاق التصور الفردي إلى المجال العمومي.
فتصاعدت المطالب بإزالة الرموز الدينية. وعليه فإن أي فعل يسعى لمحاولة محو أو خرق هذه المنظومة، لا يعد مجرد اختلاف في الرأي أو الحياد، بل يقرأ في الواقع المجتمعي الذي بطبيعته يميل إلى الحفاظ على تلك الرمزية المستقرة، كتهديد للتماسك الاجتماعي والهوية المشتركة.
الإطار الدستوري والقانوني لضمان حماية الهوية الدينية وضبط حدود الحرية الفردية
مع تصاعد المطالب الفردية التي تهدف إلى الحد من الرموز الدينية في المحيط العام، لم يعد النقاش نظري على منصات التواصل الاجتماعي أو اللقاءات العامة فقط، بل تجاوز حدود الدوائر الفكرية وأصبح قضية واقعية ملموسة، انتقلت إلى مستوى القرارات التنظيمية التي تلامس الواقع العملي للخدمات العمومية.
وفي هذا الصدد يبرز الإطار الدستوري كمرجعية أساسية لضمان حماية الهوية الدينية وضبط حدود الحرية الفردية. فنص الدستور المغربي صراحة في الفصل الأول على أن الدين الإسلامي من الثوابت الدستورية، وفي الفصل 3 على أن الإسلام دين الدولة. كما جاء في الفصل 41 على أن الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، وضامن حرية ممارسة الشعائر الدينية لجميع المواطنين.
هذه الفصول الدستورية المتكاملة، توضح أن المجتمع المغربي مبني على أساس الهوية الإسلامية؛ وأن الدولة تسهر على ضمان ممارسة الشعائر الدينية واحترام الرموز المرتبطة بها. وممارستها ضمن إطار يحفظ السلم الاجتماعي ويوازن بين متطلبات المجتمع ومختلف الحقوق سواء الفردية أو الجماعية.
وتعزيزا لهذا المعطى الدستوري، تشير بعض التقارير الصادرة عن مراكز بحثية، من بينها تقرير صادر عن المركز الدولي للدراسات الديموغرافية “بيو“، إلى أن ما يقارب % 99 من المغاربة مسلمون. ما يجعل المغرب من بين أكثر المجتمعات تجانسا دينيا على المستوى العالمي. كما يصنف ضمن مؤشر الدول ذات التنوع الديني المحدود نسبيا، وهو ما يعكس الطبيعة الغالبة للهوية الإسلامية داخل بنيته الاجتماعية والثقافية.
وفي خضم التلويح بحياد المرفق العام، الذي يهدف إلى الحد من العبارات الدينية، أصدرت وزارتا الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية قرار مشترك رقم 1250.25، والذي صدر في 13 ماي 2025، المتعلق بتحديد معايير الصحة والسلامة الواجب التقيد بها في
عمليات دفن الجثث ونقلها وإخراجها من القبور. ومن ضمنها إلغاء جميع الشعارات الدينية على سيارات نقل الموتى؛ فنصت المادة 5 على أن لا تتضمن أي عبارات باستثناء شريطين أخضرين على الجانبين وكتابة عبارة «نقل الأموات» فقط، مع الإشارة إلى مالك المركبة.
هذا القرار أثار جدلا واسعا على الصعيد الوطني، إذ اعتبره كثيرون مساسا مباشرا بالشعائر وممارسات مرتبطة بمراسيم التشييع لمجتمع مسلم. وأمام هذا الجدل أصدرت الوزارتان القرار المشترك الثاني رقم 442.26، الصادر بتاريخ 25 فبراير 2026، الذي عدل مقتضيات المادة 5 من القرار الأول، محددا بدقة العبارات المسموح بها للمركبات، كما جاء في المادة الأولى أن لا تتضمن إلا العبارات التالية على جانبي السيارة وفق الترتيب الآتي:
لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ كل نفس ذائقة الموت؛ نقل أموات المسلمين.
بما يعكس محاولة لإعادة التوازن بين مقتضيات التنظيم ومتطلبات احترام الشعائر المرتبطة بالجنائز.
وبالنظر إلى أن الدين الإسلامي يشكل أحد الثوابت الدستورية الصلبة، الذي لا يمكن تغييره أو الطعن فيه؛ فإن أي محاولة لتجاوز هذه القيم أو إلغائها ولو بطرق غير مباشرة، تعتبر مساسا بهوية الأغلبية وحريتهم في ممارسة شعائرهم بحرية. وهو ما قد ينتج عنه تهديدا لاستقرار المجتمع وأمنه.
وعلى ذلك يثبت الواقع المغربي، أن الدين الإسلامي ليس مجرد ممارسة فردية، بل عنصرا أساسيا من هوية المجتمع. ومن ثم فإن أي تنظيم للفضاء العام يجب أن يميز بين حرية الفرد ومبدأ الحياد، وبين الحقوق الدينية والمعتقدات الجماعية.

