إعداد: كوثر الحسوني، طالبة باحثة في مجال التنمية
ملخص
يؤدي تزايد الأزمات والمخاطر إلى رفع مستوى الاعتماد على الخبرة، ما يعزز الحاجة إلى الخبراء، فضلا عن أن عملية الموازنة في مجال الخبرة والخبراء تبقى غير عادلة في توزيعها إذا ما قارنها بين الإنتاجات الغربية والعربية أو حتى المحلية سواء تعلق الأمر بالشق النظري أو التطبيقي، والتي لا زال البحث فيها بكرا، وبالنظر إلى أن البحث في هذا المجال لا يزال في مراحله الأولى، فإن هذا العمل يشكل لبنة من لبنات سوسيولوجيا الخبرة، في محاولة لتفسيرها وتحليل معايير تحديدها وفقا لشروط علمية موضوعية تطبّق على الخبراء.
لتسهيل دراسة هذا المجال المعرفي، الذي يتقاطع مع حقول إنسانية ومعرفية مثل السوسيولوجيا، السياسة والاقتصاد، ومحاولة رصد تطوره ضمنها، يتطلب الأمر معرفة ما إذا كانت “الخبرة” مجرد منتج تجاري، أم أنها تشكل مصدرا فاعلا في صناعة القرار وتوجيه السياسات العامة. ومن هنا، هل تمنح صفة “الخبير” كلقب لمن يمتلك بعض المؤهلات التقنية، أم أنها تشكل “بروفايلا” مركّبا يتداخل في تحديده معايير متعددة تقطع مع الأحكام المسبقة والجاهزة؟
مــــقدمـــة
يبرز مفهوم الخبرة كضرورة حتمية في المجتمعات الحديثة، فرضتها الاستجابة لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب الحاجة لتقييم البرامج والسياسات، لأنها رهينة بالتقدم الذي يمس جل مجالات الحياة الإنسانية، ويهدف أساسا إلى التنمية، وتقترن بسلطة المعرفة والمهارات المكتسبة عبر الدراسة والبحث والممارسة العلمية الميدانية المتراكمة وفق تخصصات، تهدف إلى إيجاد حلول علمية وتقنية للمشاكل المعقدة مع دعم الابتكار وتطوير أساليب جديدة للنهوض بالمجتمعات وتحسين جودة الحياة والتقدم العلمي، لأن المتطلبات والتحديات، تستلزم تمتع “الخبراء” بدرجة من الاستقلالية، فضلا عن امتلاكهم سمات (بروفايلات) متكاملة تجمع بين الأبعاد النظرية والعلمية، والمعرفة المتخصصة والالتزام الأخلاقي والمهني. ولا شك أن بلوغ هذه الغاية، يتطلب ترسيم الحدود الواضحة بين مجال الخبرة ووظيفة الخبراء مع تفادي المجالات البحثية التي قد تؤدي إلى الالتباس والخلط. وفي هذا الصدد، يقدم كتاب “في سوسيولوجيا الخبرة والخبراء”، تحليلا معمّقا في محاولة للإجابة على جوهر هذه الإشكالية، من خلال ستة فصول متكاملة، ضمن 261 صفحة.
– ما المقصود بالخبرة؟ ومن هو الخبير؟
– وهل يمكن اختزال عمله في مجرد تقديم خدمات مدفوعة الأجر بناء على الطلب؟ أم أن له بعدا استقلاليا ممتد نحو تعزيز مسارات التنمية في المجتمعات؟
قراءة تحليلية لمضمون الكتاب
انطلق المؤلف من تحليل دلالات مفهوم الخبرة، مؤكدا على طابعه المركب الذي يجمع بين أبعاد متعددة ومعاني متداخلة، من قبيل: مهارة، كفاءة، تقنية، تجربة. وذلك لكونها حاضرة في عدة مجالات، مما أدى إلى تباين في تفسيرها وفهمها، وإلى اختلاف في كيفية رصد دلالتها ومعانيها بين الحقول المعرفية، سواء في إطار الفلسفة أو السوسيولوجيا، أو ضمن مجالات الأدب واللغة والفيزيولوجيا. وقد نتج عن ذلك نوع من التقارب والخلط في تداول “بروفايل الخبير”، وارتبطت تسميته بالمثقف، والأكاديمي، والمستشار، والسياسي. الأمر الذي دفع بالمؤلِّف إلى إقامة تمييز واضح بين تلك الفئات (المثقفين والأكاديميين..) وبين الخبير، الذي يتميز بجمعهِ بين المعرفة العلمية الأكاديمية والمهارات الميدانية الإجرائية المرتبطة مباشرة بالواقع العملي، حيث يسهم في توجيه القرارات وابتكار حلول عملية فعالة تساهم في تحقيق التنمية، التي تساعد في تجاوز الأزمات، وبناء واقع جديد تصاغ فيه الظواهر بما يتوافق مع تطلعات العصر، بدلا من الاكتفاء بفهمها وتحليلها فقط.
تطرق المؤلِّف إلى الكشف عن السياقات التاريخية والاجتماعية التي أدت إلى نشوء مفهوم “الخبرة” وتشكل مفهوم “الخبير”، معتبرا أن هناك سياقين رئيسيين، يتمثل الأول في السياق التاريخي، الذي تعود جذوره الأولى إلى القرن 17م مع فلاسفة الأنوار، وبالتوازي مع بداية تشكل مفهوم الدولة الحديثة، التي كانت تسعى إلى إيجاد سُبل لشرعنة سلطاتها، فتم ابتكار صورة الخبير المتخصص كوسيط معرفي بين الدولة باعتبارها كيانا رمزيا، والواقع العملي، إذ لعب دورا محوريا في التخطيط والتنظيم وترجمة الرؤى النظرية إلى سياسات وإجراءات قابلة للتطبيق عن طريق تحليل الظواهر. هذا الصنف من الخبراء كان مغرقا في التجريبية، وحتى الدراسات المنجزة انحصرت فيما هو كمي إمبريقي يعتمد على الإحصاء، الملاحظة، الاستبيان والتجربة، قياسا على النهج الذي كان سائدا في العلم.
أما الثاني، فهو سياق معرفي إبستيمي، تعود جذوره إلى الفيلسوف العقلاني ديكارت على الرغم من عدم استخدامه لمصطلح “الخبرة” بشكل مباشر في أعماله، فقد كان سباقا لعصره في الفصل بين الفلسفة النظرية التأملية، والفلسفة العملية في معرفة منطق وجود الأشياء، معتبرا أن معرفة الطبيعة تتم بمعرفة أسبابها وعللها للتحكم فيها وتملكها وتسخيرها لخدمة الإنسان. وهذه دعوة لتجاوز التأملات في الفلسفة والرياضيات التي صار على نهجها، فرانسيس بيكون بانتقاده للمنطق الأرسطي القائم على القياس.
ومن أهم المجالات التي رافقت هذا التطور في الرياضيات العملية، نجد مجال الملاحة بخصوص مسألة تحديد موقع السفن في البحر على أساس رياضي من خلال تطوير حساب الإحداثيات الذي يعتبر ديكارت من رواده. ثم خطوط الطول معرفة الوقت بدقة بلندن. والنتيجة هي تعزيز التجارة وثقة التجار البريطانيين على الخصوص، وتقليص خوفهم من تقلبات المحيطات.
لكن التقعيد الفعلي لنشأة مفهومي الخبرة – الخبراء، يعود بالأساس إلى سياق عسكري، حيث برزت الحاجة الملحة إلى الخبرة في هذا المجال في بريطانيا، حيث تم تأسيس أول معهد للدراسات والأبحاث سنة 1831م حسب تقدير البعض. بينما يحددها آخرون، بإنشاء أول معهد ملكي يدعى “كارنيغي” بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1910م، وقد تزامن ذلك مع إنشاء مراكز تساعد الجهاز الاستخباراتي على رصد أهم التطورات الدولية حول البلد الخصم.
يلخص القول بأن تحديدات ما قبل القرن 20م تحدثت عن الخبرة، كمصطلح، مرادف للتجربة، تتمحور حول فهم الواقع بشكل إمبريقي، تبعا للتصور الإبيستيمي الذي خلفه العلم منذ القرن 18م مع دافيد هيوم وجون لوك، وفيما بعد مع وضعية أوغيست كونت التي ستعرف نقدا من قبل هوسرل وهابرماس بذريعة تسليع المعرفة والإنسان. وسيتم الاعتماد على الخبراء كوسطاء. أما بعد القرن 20م سيعرف العالم عدة تحولات، خاصة مع ظهور منظمات ومؤسسات دولية من قبيل مجلس الأمن، البنك الدول، الأمم المتحدة، تشتغل وفقا لتقارير ينجزها أشخاص ذوي كفاءة. لذلك ستقع قطيعة مع الجهار المفاهيمي القديم، وسيظهر نموذج مبتكر لخبراء ينقلون الخبرة من تحليل الظواهر وفهمها، إلى صنعها وخلق واقع جديد يفتح آفاق التفكير فيما ينبغي أن يكون.
يفرز الحديث في مجال الخبرة وتسمية “خبير” سوسيولوجيا عن ثلاثة مراحل رئيسية:
• كلاسيكية، تقاس بذلك الكم من التجارب والمعارف المكتسبة؛
• حديثة، مثلت قطيعة مع التصور القديم ابتداء من القرن 19م، تربط الخبرة بأشخاص ذوي معايير معينة؛
• المرحلة المعاصرة التي انطلقت منذ سنة 2020م، تنظر للخبرة كنتاج مؤسساتي يقوم بها عدد من الخبراء ضمن مراكز أبحاث ومكاتب دراسات، وتقاس جودتها بمراكمة الإنتاج والبحت والصرامة، بالإضافة إلى القدرة على تعبئة الموارد وإزاحة الهوة بين الجامعة والمؤسسات الحاضنة للمعرفة، لا بأشخاص.
تحصر الموجة الثالثة الخبرة في الاختصاص لإغلاق الباب أمام الصفة الدائمة واستبدالها بخبرة معتمدة تتطلب التجديد الدائم والإنتاج المتراكم للمعرفة، والالتصاق بالميدان كشرط لاعتماد الخبراء.
الواقع يفترض الخبرة، بيد أن هناك نوعان: خبرة هشة تنعدم فيها الكفاءة تقوم في كثير من الأحيان على المناولة، الزبونية، وتستثني الواقع -المجتمع المحلي- عبر استشارة خبراء تنعدم في تكويناتهم الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية. والنتيجة هي توريط أصحاب القرار (تداعيات فرض الحجر الصحي في كرونا).
ومن أهم العوامل التي تجهز على الخبرة نجد:
• ضعف التأطير؛
• النظرة الأحادية للميدان؛
• غياب بعد النظر في التوقعات؛
• حصر الخبرة في مجالات تقنية ضيقة تستثني الواقع؛
• عدم تجديد الترسانة القانونية المعتمدة في انتقاء الخبراء، والاكتفاء بشروط لا تتجاوز الحد الأدنى في بعض الدول(المغرب) قياسا على ما يفرضه البنك الدولي وبعض المؤسسات الدولية من صرامة حول معيارية انتقاء الخبراء؛
• ربط معاملات الخبرة في غالب الأحيان بالأقدمية.
وفي المقابل هناك خبرة كفؤة تقاس بمجموعة المعاملات التي تعتمد سلما معياريا يشترط اللغة، الكفاءة، الأقدمية، نشر المعرفة، المردودية، الالتصاق بالميدان، المراكمة والتجديد. وتخضع لسلم تنقيط محكم يوجه عمل الخبير نحو إنضاج القرار، ويفسح المجال لتقديم الأجندات عبر مراعاة البعد السوسيو-الثقافي، وعدم إفراغ العلاقات الاجتماعية من مضمونها الإنساني الخاص بحياتها الخاصة.
انتقل المؤلف بعد ذلك للحديث، إلى مناقشة تصورات دراسات الخبرة في ظل غياب خبراء مستقلين، تؤثر على نزاهتهم وموضوعيتهم كثير من الإكراهات من قبيل ضغط المؤسسات الراعية للخبرة، أو البلدان المحتضنة، شروط مادية ميدانية، زمنية، قانونية، اجتماعية، مهنية، سياسية، فنية…، تبعد الخبير عن الحياد وتضرب مبدأ استقلاليته من جهة، ومدى قدرته على مقاومة هذه التجاذبات وحفاظه على أدبيات مجاله وممارسته نظريا وفنيا وميدانيا من جهة أخرى.
الخبرة المعتمدة عبارة عن خدمة تقدم فيها الاستشارة العلمية مقابل أجر. هذا يضرب في مبدأ النزاهة خصوصا مع تزايد الطلب عليها، بذريعة أن الخبير لا يمتلك سلطة القرار النهائي كصلاحية تخول للسياسي، بل يوظف ككومبارس يغلف القرارات القذرة بالعلم، ويستشهد بالاقتصادي المغربي نجيب القصبي قائلا: أنه يتم استشارة الخبراء لامتلاكهم سلطة المعرفة من قبل السياسيين بهدف إضفاء الطابع الشرعي على عملهم لتسهيل تمرير المشاريع والمخططات.
يستعرض المؤلف أهم الإكراهات التي تواجه مساري الأكاديمي والخبير خصوصا على مستوى التعاقدات، وزمن إعداد الأبحاث. على اعتبار أن الأول يمتلك حرية اختيار إشكاليته، لكنها ليست مطلقة. والثاني محكوم بأهداف ومنهجية محدده سلفا وفق أهداف المشروع لكنه ليس خضوعا مطلقا.
إن الخبرة تحتاج إلى إبداع، والإبداع يتطلب الحرية، لكنها لا تتحقق. فقد يتحول الخبير لمجرد واجهة تبتلعه المؤسسة الراعية أو الجهة التي يعمل لصالحها، وتذيب دوره في إنارة الرؤية لصُناع القرار والسياسيين، كون الحدود بين هؤلاء متحركة، وتخضع للسياق الذي تتأطر ضمنه، نظرا لصعوبة تجاوز التلاعبات السياسية، كونها تهدم بواسطة صناع القرار الجدار الذي يحتمي خلفه الأكاديمي والعالم، مع التأكيد على عدم الخلط بين هذا الأخير والسياسي في صورة خبير، رغم أنه يكون مغريا حينما يتعلق الأمر بأبحاث تمولها مؤسسات أو منظمات دولية كالمفوضية الأوروبية والبنك الدولي ومنظمة العمل الدولية.
يلخص القول بأن التوتر بين الخبرة والمؤسسات يظل قائما، مع تأكيده على أن الخبير مطالب بإثبات استقلاليته عن صُنّاع القرار، وكذلك عن الجهات التي يعمل لصالحها والتحلي بالحياد في رصده الخلاصات والاستشارات التي يقدمها حتى تكون الخبرة ذات مصداقية. وشرط تحققها رهين بعمل الخبراء واستحداث قوائم خاصة بهم حسب تخصصات كل واحد منهم، وخلق الجسور مع الجامعة، وتحسين آليات إنتاجهم، وجودة التكوين وإحاطتها بترسانة قانونية ومؤسساتية ضامنة لحقوقهم بدلا من لغة القطيعة والالتهام مع واقع لا يرتفع. وهو أمر متحقق تبعا لشخصية الخبير والتزامه بأخلاقيات مهامه حسب أحمد بوزيان التي تفرض عليه التجرد من أي انتماء أثناء قيامه بالخبرة كما جاء على لسان الخبير الدولي جوزيف ثابت، أو التبعية للمؤسسات الدولية التي تضبط عملهم وتجعل مكافأتهم أكبر من تلك التي تتوسط عمله مكاتب الدراسات، وحتى الذي يعمل بشكل مستقل.
توصل الكاتب إلى أن ما يضعف نزاهة الخبير ويحكم عليه بالامتثال هو:
• وضعه المادي والقانون والمهني؛
• فجوه بين زمن صانع القرار وزمن الخبير؛
• سخاء التمويل المقدم من طرف المؤسسات الراعية، يلغي النزاهة في كثير من الأحيان؛
• فجوة بين إرادة المؤسسات الراعية الممولة والدول المحتضنة للمشروع التي تمثل طرفا ضاغطا على الخبير، وتساوم نزاهته بسلامته حسب تصريح الكاتب عن الخبير جوزيف ثابت حينما طلب منه تغيير بعض الأمور في التقرير المنجز حول قيامه بدراسة تقييم مشروع سابق حول زراعة أشجار خشب التيك في النيجر وفقا لعقد مبرم مع البنك الأفريقي للإنماء سنة 2008.
خــــــــــــاتمــــــــة
تعتبر الخبرة حاجة مجتمعية ومؤسساتية في دولة الحداثة وما بعد الحداثة، التي تراهن على التنمية كاستثمار يتجاوز البعد الاقتصادي نحو الإنسان وتطوير المؤسسات التي تأتي على رأسها مؤسسة الدولة. لذلك يلزم تأطيرها وتنظيمها إداريا وقانونيا، والتفكير في المؤسسات المنتجة لها، وفي آليات إنتاج الخبراء نظرا للدور الوظيفي الذي يمثلونه على مستوى توجيه السياسات، حيث تؤثر الخبرة بشكل مباشر في المشاريع التنموية. كل هذا لن يتأتى إلا بتوفير مبدأ الاستقلالية التي تتأرجح بين حدود الممكن والمستحيل، وفقا لإكراهات ذاتية وموضوعية ترتبط بسلطة خارجية مفروضة، أو بشخص الخبير ومدى اتصافه بالحياد والنزاهة، دون إغفال مسار تدبير هذا المجال قانونيا واجتماعيا وماليا.


تعليق واحد
موضوع متميز موفقة بإذن الله