تطوان44: هاشم أشهبار
وسط فوضى الأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة لعقود كثيرة ، برز حسن نصر الله كرمز من رموز المقاومة التي أثارت الجدل وحازت على قدر عظيم من التأييد، كما من الانتقاد، و بينما نودع الرجل الذي صادته ايادي الغدر الصهيو-أمريكية، نعود لتأمل أعمق في شخصية هذا الرجل الايقوني، التي يتداخل فيها المقاوم والبطل، كما يتقاطع فيها الرجل الذي ارتبط اسمه بإراقة الدماء في صراعات لا تقل تعقيدا عن تلك التي خاضها في ميدان المعارك.
نصر الله: المقاومة عنوانه الأول
عندما نتحدث عن حسن نصر الله، لا يمكن أن نفصل اسمه عن المقاومة اللبنانية التي قادها ضد جيش الإحتلال الصهيوني، فمنذ توليه زمام قيادة حزب الله عام 1992، شكل نصر الله جسرا يربط بين ماضي الحركات النضالية اللبنانية وبين حاضرها، وصنع من الحزب قوة عسكرية وسياسية تتجاوز حدود لبنان، لتصبح لاعبا أساسيا في معادلات الصراع الإقليمي.
يُنظر إلى حرب تموز 2006 كنقطة مفصلية في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، فمنذ حرب اكتوبر التي قال عنها أنور السادات بأنها آخر حرب عربية اسرائيلية أثناء توقيعه لاتفاقية الذل و الهوان كامب ديفيد، لم يستطع احد حتى على التفكير في خوض حرب مع هذا الكيان المحتل، لكن نصر الله بقدرة تنظيمية واستراتيجية معجزة، استطاع أن يحول مجرى المعركة بانتصار تاريخي، ويجبر جيش الصهاينة على التراجع و الانسحاب من الجنوب ، ملحقا بجيشهم خسائر اعتبرت حينها ضربا من الخيال.
في تلك اللحظات، تجسدت صورة نصر الله كقائد مقاومة لا يشق له غبار ، بطل شعبي محبوب، المخلص الذي جاء لينقذ هذه الأمة المغلوب على أمرها ، واستطاع بمل أحقية أن يعيد لمفهوم “الانتصار” وهجه، في وقت كانت فيه الهزائم العسكرية والسياسية سمة غالبة على المشهد العربي.
كما ارتبط اسم حسن نصر الله في تلك المرحلة بآمال وتطلعات الشعوب المضطهدة التي رأت فيه نموذجا لمن يقاوم الظلم دون أن يتنازل عن مبادئه أو حقه في الكرامة والسيادة.
لكن، ما وراء القائد؟
على الجانب الآخر، لم تكن مسيرة حسن نصر الله تخلو من ظلال قاتمة، ففي اللحظة التي تجاوز فيها صراعه مع إسرائيل ليصبح لاعبا إقليميا على الساحة السورية، بدأت ملامح شخصيته تأخذ أبعادا أخرى أكثر تعقيدا، ففي عام 2012، وبعد اندلاع الثورة السورية، اتخذ نصر الله قرارا بدعم النظام السوري بقيادة السفاح بشار الأسد، هذا القرار الذي كان بمثابة بداية انقسام عميق في شعبيته و مدى مصداقيت لدى الكثيرين.
في سوريا، حيث الدمار والحرب الأهلية، تحول حزب الله من مقاومة تواجه الاحتلال إلى قوة تساند نظاما متهما بارتكاب مجازر ضد شعبه، نظاما سيذكره التاريخ كونه من أخبث الأنظمة و أقذرها على الإطلاق، وهنا، خرجت أصوات تدين نصر الله، معتبرة إياه شريكا في سفك دماء المقاومة السورية، داعما لنظام قمعي يستخدم القوة في مواجهة مطالب مشروعة بالحرية، انخرط الحزب في الصراع السوري بعمق، وانعكس ذلك سلبا على صورته الوردية التي كانت في عيون كل عربي حر.
اما في لبنان، فيتهم الرجل بتأجيج الطائفية رغم دعواته للمقاومة والوحدة، فقد اتهم نصر الله بأنه ساهم في زيادة الانقسام الطائفي في لبنان من خلال تحالفاته السياسية الداخلية و الخارجية، مما جعل المجتمع اللبناني أكثر هشاشة، و مع تزايد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فقدت قيادة نصر الله ثقة الكثير من اللبنانيين، الذين باتوا يرون في الحزب جزءا من المشكلة ، فخياراته السياسية أدت إلى عزلة لبنان على الصعيد الدولي، مما أثر سلبا على الاقتصاد والقدرة على الحصول على الدعم الخارجي.
بين البطولة والجريمة: التناقض الأبدي
السؤال الذي يطرح نفسه في هذه اللحظة الحاسمة: هل يمكن وضع نصر الله في خانة البطل أو المجرم؟ هل هو شهيد سقط في مواجهة مع عدوه الأزلي، أم أنه رجل دفعه طموحه السياسي إلى الانخراط في حروب قذرة أودت بحياة الكثيرين؟ ام هي الحسابات السياسية من دفعته للتحالف مع الشيطان لازالة خطر أكبر ، فالمؤامرة ضد سوريا واقعة ، و داعش لم تكن لتقف عند سوريا ؟؟؟
المسألة هنا تتجاوز تقييما أخلاقيا بسيطا، حسن نصر الله هو تجسيد للتناقضات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط!!!
إنه الرجل الذي يحمل في كفه الأولى راية المقاومة والتحرر، وفي الكف الأخرى أعباء كونه رقما في جميع المعادلات و النزاعات السياسية بالمنطقة، إنه قائد يملك بخطاباته القدرة على الإلهام صنع الأمل لملايين العرب الذين يطمحون للعدالة و الحرية، وايضا زرع الرعب في كيان العدو ، لكن في الوقت ذاته يحمل على عاتقه إرثا دمويا ثقيلا .
هل يمكن لذات الشخص أن يكون بطلا وقاتلا في آن واحد؟ هذه هي معضلة حسن نصر الله، فهو بالنسبة لأنصاره رجل قاوم الاحتلال بشجاعة و إخلاص حتى بات رمزا للصمود ضد الغطرسة الإسرائيلية و الأمريكية. ولكن بالنسبة لمعارضيه، هو قائد تورط في حروب داخلية، كان يمكن تجنبها، وأسهم في تعميق الانقسامات الطائفية في المنطقة.
إرث حسن نصر الله: إرث المقاومة والجدل
إن الحديث عن حسن نصر الله لا يمكن أن ينتهي بخطّ فاصل بين الأبيض والأسود. إنه شخصية تختزل في طياتها التعقيدات السياسية والاجتماعية للمنطقة. ربما سيراه البعض شهيداً، سقط في ميدان المعركة، بينما سيظل البعض الآخر يرونه مجرد قائد أسهم في سفك دماء آلاف المدنيين في صراعات عبثية.
وفي النهاية، سيبقى إرث حسن نصر الله متجذرا في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة، هذه الشخصية التي أثرت فينا جميعا في يوم ما ، عندما انقطع الأمل و توالت الخيبات ، و سقطت كل الأقنعة ، لقد كان حسن نصر الله لغزا تتباين حوله الآراء كما تتباين حول تاريخ الشرق الأوسط بأسره.

