بقلم محفوظ واليدي
تشهد مدينة الحسيمة في الآونة الأخيرة تفاقمًا مقلقًا لظاهرة احتلال الملك العمومي، في مشهد بات يختزل حجم الاختلالات التي تطال تدبير الفضاء العام، ويُهدد الحق الأساسي للمواطنين في استعمال الأرصفة والطرقات بأمان وكرامة. فحين تُواجَه هذه الفوضى بالصمت وغضّ الطرف، أو بالتساهل غير المبرر، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتترسخ ملامح السيبة والعشوائية في قلب المدينة.
ولم يعد الأمر يقتصر على بسط السلع فوق الأرصفة، بل تجاوزه إلى إغلاقها كليًا في وجه الراجلين، ما يضطرهم قسرًا إلى السير وسط الطريق، معرضين حياتهم للخطر. إن احتلال الملك العمومي ليس مخالفة بسيطة، بل اعتداء على حق جماعي، وانتهاك صريح لقواعد النظام العام، بما ينعكس سلبًا على السلامة الطرقية وانسيابية الحركة، ويغذي شعورًا عامًا باللامبالاة وغياب الردع.
وتكاد هذه الظاهرة تعمّ مختلف أحياء المدينة، ما يستدعي تعاملاً متساويًا مع جميع المخالفين دون انتقائية، ضمانًا لتكافؤ الفرص، وحمايةً لحق الراجلين، وترسيخًا لاحترام القانون. فالدعوة إلى التنظيم لا تعني معاداة النشاط التجاري أو التضييق على أرزاق الناس، بقدر ما تعني إقرار توازن عادل بين الحق في الكسب المشروع والحق في فضاء عام منظم وآمن.
في هذا السياق، يعبّر فاعلون محليون ومواطنون عن استيائهم من محدودية نجاعة التدخلات الإدارية الحالية، معتبرين أنها غالبًا ما تظل موسمية أو ظرفية، لا ترقى إلى معالجة جذرية ومستدامة للظاهرة. ويؤكد هؤلاء أن ضعف التنسيق الميداني وغياب الصرامة في التطبيق يُسهمان في تشجيع التمادي، حيث “من أمن العقوبة أساء الأدب”.
كما تُثار، في الأوساط المحلية، تساؤلات حول فعالية القيادة الإدارية على مستوى المدينة، والحاجة إلى تقييم موضوعي للأداء، بما يضمن تفعيل سلطة القانون وتعزيز الانضباط داخل مختلف المصالح المعنية. وهي دعوة تُوجَّه إلى السلطات الإقليمية من أجل ضخ دينامية جديدة، وتقوية آليات المراقبة، وتوحيد الرؤية بين مختلف المتدخلين، حتى لا يبقى الفضاء العام رهينة للاجتهادات الفردية أو التراخي الإداري.
إن ما تحتاجه الحسيمة اليوم ليس حملات عابرة “لذرّ الرماد في العيون”، ولا استعراضات ظرفية، بل استراتيجية ميدانية دائمة، واضحة الأهداف، صارمة في التطبيق، تراعي البعد الاجتماعي دون التفريط في هيبة القانون. فاستباحة الملك العمومي مؤشر خطير على اختلال أعمق، ومعالجته تبدأ بالاعتراف بالمشكل، ثم مواجهته من جذوره بإرادة حقيقية ومسؤولية مشتركة.

