كانت الغرفة غارقة في نصف ظلام، تتسلل إليها خيوط باهتة من ضوء مصباح الشارع. أمام الحاسوب القديم، بشاشته الضخمة وصوته المزعج، جلس يتأمل الصفحة الرمادية التي لا تكفّ عن الدوران. كان يعرف أن هذه الليلة ليست عادية؛ إنها ليلة إعلان نتائج الانتقاء لمباراة التعليم… آخر فرصة لرجل تجاوز الرابعة والثلاثين، وما زال يحلم أن يدخل وظيفة تحفظ كرامته وترد شيئًا من جميل والديه.
ضغط على زر التحديث للمرة العشرين. لا جديد. الصفحة ترفض أن تفتح. أحس بارتفاع نبضه، فقام ببطء نحو المطبخ يعدّ كوبًا من القهوة. لاحظ ارتجاف يديه. قال لأخيه الذي صادفه في الممر:
– هل هاتفك فيه إنترنت؟ ربما يفتح معك.
نظر الأخ إليه، ومن عينيه كان يفهم حجم الانتظار.
– نعم… جربت، لكن الموقع مغلق.
عاد إلى غرفته بخطوات ثقيلة. أحس أن الضوء الخافت يضيق، وأن الهواء صار أثقل من اللازم. جلس أمام الحاسوب، مسح العرق من جبينه، وحاول مرة أخرى. ظهرت الصفحة، فجأة… وكأنها كانت تختبر صبره.
بدأ يبحث عن اسمه. قلب الصفحات واحدة تلو الأخرى. لم يجده. انتقل إلى خانة الأرقام، يدقق رقمًا رقمًا. لا أثر له.
تجمّد للحظة. شعر أن شيئًا ما انكسر داخله. تمتم بصوت خفيض كمن يحدّث نفسه:
“هم يدرسون أبناءهم في الخارج… يأتون لنا بقوانين واصطلاحات جديدة… ثم يطلبون منا التنافس معهم. الكفاءة عندهم فرصة، وعندنا عمر يضيع.”
أسند رأسه إلى الجدار، وأغمض عينيه. كان يسمع صوت الحاسوب يطنّ، وصوت قلبه يخفت. لم يدخل أحد غرفته لوقت طويل، ولم يسمع منه أحد كلمة جديدة.
بعد ساعة، طرق أخوه الباب ولم يتلقَّ جوابًا. دفعه قليلًا… فوجد الغرفة صامتة أكثر مما يجب. رفع عينيه إلى وسط السقف، فتجمد. كان أخوه معلّقًا في الحبل، جسده ساكن، ورقعة صغيرة تتدلّى من يده.
اقترب يرتجف… قرأ:
“سامحوني… لم أكن عادلًا مع نفسي، كما لم يكونوا عادلين معي.”
محمد جواد أبو رهف

