مقدمة: ناموس الدوران الخلدوني
لطالما سكنت ظاهرة “الحضارة” وجدان المفكرين بوصفها الغاية الأسمى للوجود الإنساني المنظم. هي تلك الشمعة التي تضيء دروب الجهل، وتُخرج المجتمعات من عوز الحاجة إلى ترف الإبداع. لكن، ووفقاً لـ “قاعدة الدورة” التي صاغها ابن خلدون، فإن لكل حضارة عمراً يبدأ بالبساطة والفتوة، ويمر بالازدهار، وينتهي بالهرم. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في ظل الراهن السياسي: لماذا ترتبط “ذروة الحضارة” دائماً ببدء الصدامات الكبرى؟ وهل الحروب هي “مُنتج ثانوي” للحضارة أم أنها جوهرها المخفي؟
أولاً: الحضارة الغربية.. من “أنوار التنوير” إلى “نيران الإمبراطورية”
تتربع الحضارة الغربية اليوم على عرش التاريخ المعاصر، مستندة إلى إرث الثورة الصناعية وسقوط جدار برلين، وهو ما جعلها تبدو كأنها “نهاية التاريخ” كما روج فوكوياما. وفي هذه الذروة، قدمت الغرب نفسها كوصية على القيم الإنسانية: الديمقراطية، الحرية، وحقوق الإنسان.
تقول وفاء سلطان، في دفاعها المستميت عن هذا النموذج: “إن ما نراه ليس صراع أديان، بل صراع الحضارة ضد التخلف، والحرية ضد القمع”. لكن هذا الخطاب يغفل الجانب المظلم الذي تُصدره الحضارة في أوجها. فالحضارة الغربية نهجت نوعين من الحروب لتثبيت ذروتها:
1. الحروب المبطنة (القوة الناعمة والمسمومة): حيث استُخدم شعار “نقل الحضارة” كغطاء للاختراق الثقافي والاقتصادي، ونهب ثروات الشعوب تحت مسميات التحديث، مستغلة في ذلك “سذاجة الشعوب” أو ضعف بنياها السياسية.
2. الحروب العلنية (التوحش الصريح): عندما تشعر الحضارة في ذروتها بتهديد لمكانتها، تنزع قناع “التنوير” لتكشف عن وجه إمبريالي متوحش. ويتجلى ذلك في غزو العراق، التدخلات في أمريكا اللاتينية (نموذج مادورو)، والعدوان المستمر على القوى الإقليمية كإيران.
ثانياً: “السابع من أكتوبر” والشرخ في السردية الغربية
لقد شكلت أحداث السابع من أكتوبر لحظة كاشفة في تاريخ الفكر الحضاري. سقطت معها المقولات الإنسانية الكبرى التي طالما تغنت بها العواصم الغربية. إن التباين الصارخ في التعامل مع “الحرب الأوكرانية” (باعتبارها دفاعاً عن السيادة) وبين “ملحمة المقاومة الفلسطينية” (التي تُحارب لإثبات الوجود) كشف عن سياسة “ازدواجية المعايير”.
هذا الانكشاف الأخلاقي هو المؤشر الأبرز على أن الحضارة الغربية بدأت مرحلة “الاضمحلال”. فالتاريخ يخبرنا أن الحضارة عندما تعجز عن إقناع الآخرين بقيمها “سِلماً”، وتلجأ للقوة المفرطة لفرض “نموذجها”، فهي بذلك تعلن عن إفلاسها الروحي، وهي الخطوة الأولى نحو السقوط.
ثالثاً: المقارنة التاريخية.. هل صدرت الحضارة الإسلامية الحروب؟
لكي نلتزم بالموضوعية، يجب أن نطبق هذا التحليل على ذواتنا التاريخية. فالحضارة الإسلامية في أوج قوتها، وتحديداً في محطتها الأندلسية، لم تكن بمعزل عن هذا الناموس. دخول المسلمين إلى شبه الجزيرة الإيبيرية بقيادة طارق بن زياد كان تعبيراً عن “قوة صاعدة” تسعى لتوسيع نفوذها.
لكن الفارق الجوهري يكمن في السؤال: هل كانت الحرب هدفاً لذاتها أم وسيلة لبناء فضاء حضاري؟ التاريخ يشهد أن التوسع الإسلامي في الأندلس أثمر عن “قرطبة” و”غرناطة” — مراكز الإشعاع العلمي التي علّمت أوروبا. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن القوة العسكرية كانت هي القاطرة. وهنا نصل لنتيجة حتمية: إن القوة حين تبلغ ذروتها، تبحث دائماً عن مجال أوسع لفرض حضورها، سواء كان ذلك باسم “الدين” أو “الديمقراطية”.
رابعاً: الاستنتاج.. ما بعد الذروة
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر، بل هو مخاض لولادة نظام عالمي جديد وتآكل لنظام قديم. الحضارة الغربية، بتصعيدها للحروب العلنية والخفية، تثبت أنها وصلت إلى “نقطة التشبع” التي يتبعها الانحدار. إن الحضارة التي لا تستطيع تصدير “العدالة” بالتساوي مع “التكنولوجيا”، هي حضارة محكوم عليها بالزوال وفق المنطق التاريخي.
نحن نقف اليوم أمام مشهد تنكشف فيه الأقنعة؛ حيث المقاومة في المنطقة لا تدافع عن أرض فحسب، بل تكسر “احتكار الحضارة” الذي ادعته الإمبريالية لقرون. وكما انطوت صفحات حضارات سادت ثم بادت، يبدو أن شمعة الغرب بدأت تذبل تحت وطأة توحشها الخاص.

