تطوان44: بقلم حمزة بنشعيب
في ظل تعقيدات النظام الدولي وتزايد النزاعات الجيوسياسية، تطرح عدة تساؤلات نفسها حول فعالية المسارات الدبلوماسية، ومدى التزام الأطراف الدولية بالمبادئ التي تقوم عليها المواثيق الدولية، وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة. وبينما يفترض أن تعتمد المفاوضات كوسيلة أساسية لتسوية النزاعات، فإن الواقع الميداني والسياسي يظهر أن الدبلوماسية كثيرا ما تستعمل كأداة لربح الوقت أو تضليل الطرف الآخر،بانتظار لحظة التفوق أو المبادرة الهجومية.
من هذا المنظور، يهدف هذا المقال الى تحليل بعض النماذج الدولية المعاصرة، مثل الحرب الروسية الأكرانية،والمفاوضات النووية مع إيران، والنزاع في الصحراء المغربية، لإبراز التحولات في وظيفة الخطاب الدبلوماسي، والتناقضات المتزايدة بين النص القانوني الدولي والممارسة الواقعية للدول.
أولا: أزمة الثقة في الدبلوماسية العالمية
على الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة ينص في مادته الأولى على ضرورة حل النزاعات الدولية بوسائل سلمية، إلا أن بعض الأحداث الدولية تكشف تحول المسار التفاوضي من أداة لحل النزاع الى تكتيك للمراوغة.ففي 01يونيو 2025، شنت القوات الأوكرانية ضربات استهدفت مواقع استراتيجية روسية حساسة، شملت عناصر من الدرع النووي.جاءت هذه الضربات بالتزامن مع حالة جمود في المفاوضات غير المباشرة بين موسكو وواشنطن، مايطرح شبهة أن الخطاب السلمي لم يكن سوى غطاء لتحضيرات عسكرية واسعة النطاق.
الأمر نفسه تكرر في الملف الإيراني، حيث طالع جولات التفاوض دون أن تصل إلى نتائج مستدامة، بل رافقها فرض عقوبات جديدة أو تهديدات عسكرية من أطراف غربية، مما دفع القيادة الإيرانية إلى إعادة النظر في جدوى الانخراط في مسارات لا تعكس نوايا صادقة من الطرف الآخر.
ثانيا: القوانين الدولية بين النص والتوظيف السياسي
من الناحية القانونية، يحظر ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية التهديد باستخدام القوة أو ستخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة، ويقر في الفصل السادس بضرورة اللجوء الى الوساطة والتحكيم الدولي. غير أن التطبيق العملي يظهر انتقائية واضحة في الالتزام بهذه القواعد، خاصة حين يتعلق الأمر بتوازنات القوة العالمية.
فالتجربة الايرانية تبيّن كيف يمكن أن تستخدم لغة القانون كأداة ضغط، لا كمسار للحل، تماما كما هو الحال في تجاهل التحريض العسكري الإسرائيلي أو الخطابات الأمريكية التصعيدية، رغم أنها تمثل خرقا واضحاً للمادتين (2) و (33)من الميثاق.
ثالثا: الحالة المغربية والدبلوماسية المتعثرة في نزاع الصحراء
يمثل المغرب نموذجا مميزاً لدولة اختارت منذ عقود المسار السلمي لحل النزاع في الصحراء، منخرطة بشكل مستمر في المساعي الأممية ومقترحة مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي ومتين. غير أن ما يقابل هذا المسار من انتهاكات مستمرة من قبل جبهة البوليساريو، وتواطئ غير مباشر من بعض الفاعلين الدوليين، يكشف محدودية فعالية الدبلوماسية حين لا تقرَن بتطبيق صارم لقرارات مجلس الأمن.
ففي الوقت الذي يطالب فيه المغرب باحترام اتفاق وقف إطلاق النار، تقوم جبهة البوليساريو بخرق المواثيق عبر التحركات العسكرية في المنطقة العازلة، دون أن يتدخل مجلس الأمن لتطبيق الفصل (7) من الميثاق، مايؤكد وجود ازدواجية واضحة في تطبيق القانون الدولي. هذا الواقع يضع الرباط أمام ضرورة إعادة تقييم اعتمادها الحصري على المسار الأممي، في ظل تعطل الاستفتاء وفشل جهود المبعوثين الدوليين.
رابعا: مابعد الدبلوماسية؟ نحو توازن الردع المشروع
لايعني نقد الأداء الدبلوماسي الدولي الدعوة الى تجاوز القواعد القانونية، بل إعادة التفكير في شروط الاشتباك الدبلوماسي نفسه. فالتجارب المعاصرة تؤكد أن المسار التفاوضي لايمكن أن يثمر إلا حين يكون مدعوماً بقدرة ردعية متوازنة، وبمواقف داخلية متماسكة، وتحالفات استراتيجية حقيقية.
الاعتماد الأعمى على حسن النوايا أو قرارات أممية لا تنفّذ على أرض الواقع، قد يؤدي إلى خسائر استراتيجية فادحة. وعلى الدول المتضررة من هذا الواقع أن تبني استراتيجيات مرنة، تجمع بين الخطاب السلمي والاستعداد الدفاعي، في إطار الشرعية الدولية.
إن التحولات العميقة في توازنات القوة الدبلوماسية كأداة لحل النزاعات، لاسيما حين تتحول الى غطاء لإعادة التموضع العسكري أو تعزيز النفوذ السياسي. ومن خلال تحليل حالات مثل أوكرانيا، إيران والمغرب، يظهر بوضوح أن الدبلوماسية لايمكن أن تكون فاعلة في غياب نوايا سياسية حقيقية وآليات تنفيذ ملزمة.
لذلك فإن الطريق نحو استعادة مصداقية النظام الدولي يمر عبر:
تفعيل آليات الردع المشروع وفق الفصل السابع من الميثاق؛ ضمان عدالة تطبيق القانون الدولي على جميع الأطراف؛ وبناء أدوات دبلوماسية جديدة تراعي طبيعة النزاعات المركبة ومتعددة الأبعاد.
حمزة بنشعيب
طالب بسلك الماستر “ماستر السياسات الدولية والدبلوماسية والرقمية”
بكلية الحقوق بتطوان

