بقلم: محمد جواد أبو رهف
في تحول دبلوماسي لافت، تتجه بوغوتا إلى إعادة صياغة موقفها من قضية الصحراء المغربية، في خطوة تحمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة، بعدما كانت كولومبيا قد اتخذت خلال السنوات الماضية مواقف داعمة لجبهة البوليساريو.
ويأتي هذا التحول في سياق دولي متغير، يشهد إعادة ترتيب للمواقف والتحالفات بشأن قضية الصحراء، في ظل اتساع دائرة الدول التي باتت تنظر إلى مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها أساساً واقعياً وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
وتكتسي الخطوة الكولومبية أهمية خاصة بالنظر إلى أن الرئيس السابق غوستافو بيترو كان قد أعاد العلاقات الدبلوماسية مع ما يسمى بـ«الجمهورية الصحراوية» سنة 2022، في قرار شكل آنذاك تحولاً في مسار العلاقات بين بوغوتا والرباط. أما اليوم، فإن مراجعة هذا التوجه تعكس تغيراً واضحاً في الحسابات الدبلوماسية الكولومبية.
والأهم من ذلك أن هذا التحول يأتي في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الكولومبية زخماً جديداً، بما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عنوانها التعاون والشراكة وتعزيز العلاقات الثنائية.
لقد نجحت الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة في جعل قضية الصحراء حاضرة بقوة في أجندة العلاقات الدولية، مستفيدة من شبكة متنامية من الشراكات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، خصوصاً في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن المعركة الدبلوماسية لم تعد تقتصر على الحصول على مواقف مؤيدة، وإنما أصبحت تقوم على بناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد تجعل من الموقف من قضية الصحراء جزءاً من منظومة أوسع من المصالح المشتركة.
أما جبهة البوليساريو، فإن أي تراجع في الدعم الدبلوماسي الذي كانت تعتمد عليه يشكل انتكاسة سياسية جديدة، خصوصاً إذا انضاف إلى سلسلة التحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة.
إن تغير موقف بوغوتا، إذا ما تأكد رسمياً بصيغته النهائية، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تفصيل عابر في العلاقات الدولية، بل باعتباره مؤشراً إضافياً على التحول الذي تعرفه خريطة المواقف الدولية بشأن قضية الصحراء.
فالبوصلة التي اتجهت في مرحلة سابقة نحو دعم الانفصاليين، تبدو اليوم أكثر ميلاً نحو الرباط، في وقت يواصل فيه المغرب تعزيز حضوره الدبلوماسي والاقتصادي في أمريكا اللاتينية.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة أي تحول دبلوماسي لا تقاس فقط بالبيانات والتصريحات، وإنما بقدرته على فتح صفحة جديدة من العلاقات وبناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة.
وبوغوتا، إن مضت فعلاً في هذا الاتجاه، تكون قد اختارت فتح صفحة جديدة مع الرباط، في تحول قد تكون له تداعيات تتجاوز العلاقات الثنائية لتصل إلى المشهد الدبلوماسي الأوسع المرتبط بقضية الصحراء المغربية.

