بقلم : د. حميد النهري أستاذ التعليم العالي – جامعة عبد المالك السعدي بطنجة
في الجزء الأول من هذا المقال حاولتُ أن أبيّن كيف تحوّل قانون المحاماة إلى مرآة كشفت أعطاباً في العلاقة بين مؤسساتنا الدستورية: منطق شخصنة يُفرغ المؤسسة من استقلالها الرمزي فيجعل نقدها نقداً لأشخاص، وتحفظاً على وظيفة الرقابة، وتشريعاً يُحسم بالعدد بدل التوافق، وإحالة على القضاء الدستوري لا تكتمل، ثم قانوناً نافذاً لا يمكن مساءلة دستوريته نحو سنتين.
وخلصتُ إلى أن السؤال الذي يخرج من هذا كله ليس: كيف نُصلح قانون المحاماة؟ بل: كيف نُصلح الطريقة التي نصنع بها القوانين؟ ويبقى السؤال العملي المطروح على المهنة اليوم، وهو موضوع هذا الجزء: ما العمل؟
ما العمل؟ سؤال يُطرح اليوم بصيغة خاطئة
هذا هو التشخيص. فماذا عن الجواب؟
تتوالى منذ يومين ردود الفعل داخل المهنة، واعتقد انها تكاد تنقسم إلى ثلاثة اتجاهات: من يرى أن النشر كان متوقعاً وأن الوحدة صمدت وأن هذه المعركة كشفت حقيقة المؤسسات؛ ومن يرى أن الاحتجاج يكون على مشاريع القوانين لا على القوانين النافذة، وأن المرحلة انتقلت إلى النقد العلمي والمطالبة بالتعديل؛ ومن يمارس نقداً ذاتياً قاسياً ويقول إننا لم نحقق شيئاً. وهذه كلها مواقف مشروعة، وأفهم دوافع كل واحد منها.
لكنني أعتقد أن السؤال الذي يوحّدها جميعاً — هل ربحت المحاماة أم خسرت؟ — سؤال مطروح بصيغة خاطئة في هذه اللحظة. لأنه يقيس المكسب بما استقر في النص، بينما المكسب الحقيقي في هذه المعركة لم يكن قط في النص.
بل ظهور هذا الاختلاف في التقدير بعد صدور القانون أمر صحي في ذاته. فقد انتهت مرحلة كانت تقتضي قدراً كبيراً من وحدة الموقف والانضباط لقرارات المؤسسات المهنية، وبدأت مرحلة أخرى ينبغي أن يكون فيها التقييم ممكناً: ماذا حقق الاحتجاج؟ ماذا لم يحقق؟ وهل كانت أدواته قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية؟ وهل كان ينبغي، منذ البداية، التفكير في مخرج مؤسساتي للحظة التي يصبح فيها المشروع قانوناً نافذاً؟
طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من التضحيات التي قدمها المحامون، ولا يعني البحث عن مسؤول أو تحميل القيادة المهنية وحدها نتيجة مسار شارك فيه الجسم المهني بكامله. لكنه يعني شيئاً أبسط: أن المؤسسة القوية ليست التي تستطيع التعبئة فقط، وإنما التي تستطيع أيضاً تقييم تعبئتها، وتصحيح أدواتها، واستخلاص الدروس من نتائجها.
فالوحدة التي لا تسمح بالنقد قد تتحول إلى اصطفاف، والنقد الذي يهدم الوحدة قد يتحول إلى تفكيك. وما تحتاجه المحاماة اليوم هو الجمع بين وحدة المؤسسة وحرية التقييم.
ومن هذه الزاوية، يمكن قول أمرين في الوقت نفسه دون تناقض: لم تحقق المهنة كل ما كانت تطالب به في النص، لكنها حققت شيئاً آخر لا ينبغي التقليل منه؛ أثبتت أن لها مؤسسات قادرة على جمع أعضائها والصمود تحت الضغط. والاعتراف بالأول لا يلغي الثاني، مثلما أن الاحتفاء بالثاني لا ينبغي أن يحجب ضرورة تقييم الأول.
المكسب الحقيقي: ما لا يُقاس بمواد القانون
ولكي نرى المكسب حيث يوجد فعلاً، ينبغي أن نعود إلى نقطة البداية. فحين انطلق هذا الملف، كان جزء من النقاش ينصبّ على موقع الجمعية والنقباء وحدود قوتهم، وعلى ما إذا كانت المؤسسات المهنية تملك من التمثيلية والانضباط الداخلي ما يجعلها طرفاً في نقاش وطني.
وقد جاءت الشهور اللاحقة بالجواب. فبدل أن يؤدي التعامل مع المهنة إلى تقزيم هذه القوة، أنتج عكسها. ازدادت الجمعية حضوراً، وازداد النقباء موقعاً، وانضبط المحامون خلف مؤسساتهم انضباطاً لافتاً: ينتظرون اجتماعات الجمعية، ويتقيدون بمقرراتها، ويجعلون منها المرجع الوحيد في تحديد المواقف. ولم تنشأ مراكز قرار موازية، ولم يتحول الاحتجاج إلى أصوات متفرقة تتنازع تمثيل المهنة. والأصوات الفردية المخالفة، على قلتها، لم تكن هي ما طبع الموقف العام.
هذا ليس تفصيلاً. إنه رأسمال مؤسساتي لا يُقاس بمقتضى مكسوب أو مفقود في نص، لكنه يُقاس بما سيمكّن المهنة من فعله غداً. فالمنظمات المهنية لا تُختبر في أوقات الرخاء، وإنما حين تُوضع تحت الضغط. وقد اختُبرت المحاماة المغربية طوال أشهر، وخرجت بمؤسسات أقوى مما دخلت بها.
وقد ظل خطابها، رغم لغة التبخيس التي واجهتها، خطاباً مؤسساتياً في مجمله: محصوراً في مضمون النص ومنهجية إعداده، متمسكاً بمرجعية القانون والدستور، بعيداً عن التشكيك في المؤسسات ذاتها. بل إن الجمعية، حين صدر قرار المحكمة الدستورية، بادرت إلى التأكيد على احترامها الكامل للمحكمة ولقراراتها، وميّزت بوضوح بين المؤسسة القضائية وبين المسار الذي سلكته الإحالة إليها. وهو تمييز دقيق لا يقدر عليه إلا من يعرف ما يقول. أما الانزلاقات الفردية، على قلتها، فلم تكن هي ما طبع الموقف العام.
لقد ظهرت المهنة، طوال هذه المدة، بمستوى عالٍ ومسؤول. تعاملت بحكمة، وانتظرت أن تُقابَل بمثلها.
لكن الحكمة تعثّرت عند الطرف الآخر. فحضرت بدلها مواقف وإجراءات أعادتنا إلى زمن آخر ومنطق آخر: منطق يرى في المؤسسة المهنية المستقلة خصماً يُدار لا شريكاً يُحاوَر، وفي التوافق تنازلاً لا منهجاً، وفي الوقت أداةً لاستهلاك الاحتجاج بدل حسمه.
فهنيئاً للمحامين، لا بالقانون الذي صدر، وإنما بالطريقة التي دافعوا بها عن موقفهم، وبالمؤسسات التي خرجت من هذه المعركة أقوى مما دخلتها.
بل إن المفارقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح هي أن الطرف الذي التزم أكثر بمنطق المؤسسات في هذا الملف لم يكن دائماً هو الطرف الذي يملك السلطة فيه.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: ماذا ربحت المحاماة؟ بل: ما الذي يبدأ الآن؟
20 غشت : لم ينته الخلاف… تغيرت طبيعته
ان قوة المؤسسة تُقاس أيضاً بقدرتها على إدراك اللحظة التي تتغير فيها طبيعة المعركة. وهذا ما حدث يوم 20 غشت 2026. فقبل نشر القانون في الجريدة الرسمية، كان الخلاف يدور حول مشروع قانون ما يزال في طور التشريع، وكانت المطالب تتجه إلى سحبه أو تعديله أو إعادة النظر في منهج إعداده. أما بعد صدور الأمر بتنفيذه ونشره ودخوله حيز التنفيذ، فقد أصبحنا أمام قانون قائم وملزم. أي ان تاريخ 20 غشت لم ينه الخلاف حول قانون المحاماة؛ لقد غيّر طبيعته القانونية.
وهذا التمييز أساسي. فاحترام القانون النافذ لا يعني الاقتناع بمضمونه، مثلما أن استمرار نقده لا يعني التمرد عليه. دولة القانون تقوم تحديداً على إمكان الجمع بين الأمرين: تطبيق القانون ما دام نافذاً، واستعمال الوسائل القانونية والمؤسساتية المتاحة من أجل تعديله أو الطعن فيما يمكن الطعن فيه.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: كيف نمنع صدور هذا القانون؟ فقد صدر. وإنما أصبح: كيف نتعامل مع قانون نختلف مع عدد من مقتضياته بعد أن أصبح جزءاً من النظام القانوني؟
وهنا بالضبط ينبغي أن تتغير الأدوات. فما كان مناسباً في مواجهة مشروع قانون ليس بالضرورة هو الأداة الأكثر فعالية في التعامل مع قانون نافذ. والاستمرار في الوسيلة نفسها بعد تغير الوضع القانوني قد يحول الوسيلة، شيئاً فشيئاً، من أداة ضغط إلى عبء على الغاية التي أنشئت من أجلها.
باب لم يُغلق: معطى غاب عن النقاش
وقبل أن نجيب عن سؤال ما الذي يبدأ الآن، ينبغي تصحيح انطباع سائد مفاده أن كل الأبواب أُغلقت.
صحيح أن الرقابة السابقة سقطت بالنشر، وأن آلية الدفع بعدم الدستورية لن تكون متاحة قبل صيف 2028. لكن ثمة معطى مهماً لم ينتبه إليه النقاش الجاري.
فالمادة 9 من القانون التنظيمي 35.24 تشترط لقبول الدفع ألا يكون قد سبق البت بمطابقة المقتضى التشريعي محل الدفع للدستور، ما لم تتغير الأسس التي بنيت عليها تلك المطابقة. أي أن كل مقتضى صرّحت المحكمة بمطابقته في الرقابة السابقة يصبح محصَّناً من الدفع لاحقاً.
لو أن الإحالة كانت سليمة، ولو أن المحكمة نظرت في القانون وصرحت بمطابقة مقتضياته للدستور، لأصبحت المقتضيات التي شملها تصريح المطابقة، من حيث المبدأ، غير قابلة لأن تكون محلاً للدفع بعدم الدستورية، ما لم تتغير الأسس التي بُني عليها ذلك التصريح.
أما وقد تعذر عليها البت، فلم يصدر أي تصريح بالمطابقة. ومن ثم يبقى هذا القانون قابلاً للدفع بعدم دستوريته حين تصبح الآلية نافذة.
ومن مفارقات هذا الملف إذن أن الخلل الذي بدا في حينه خسارة، هو نفسه ما أبقى الطريق سالكاً نحو الرقابة اللاحقة. وهذا حق محفوظ، لا ينبغي التفريط فيه ولا نسيانه.
على أن الأمانة العلمية تقتضي ألا نبالغ. فما بقي احتمال مؤجَّل ومشروط: يحتاج إلى دعوى قائمة، وإلى مقتضى يُراد تطبيقه فيها، وإلى مذكرة مستقلة موقعة من محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، وإلى اجتياز تصفية مزدوجة قبل أن يصل الملف إلى المحكمة الدستورية. ثم إن المادة 27 من القانون التنظيمي نفسه تنص على أن التصريح بعدم دستورية مقتضى ونسخه لا يرتب مسؤولية الدولة عن تطبيقه قبل نسخه.
ومع ذلك يبقى الباب مفتوحاً. والفرق بين باب مفتوح وباب مغلق فرق جوهري.
من الاحتجاج على القانون إلى حكامة تطبيقه
وإذا كان الباب باقياً مفتوحاً، فالسؤال هو كيف نستعد لليوم الذي يُفتح فيه. وهنا يوجد، في نظري، جواب سؤال ما العمل، وهو يتلخص في نقلة واحدة: أن تنتقل المهنة من موقع المحتجّ على نص، إلى موقع الفاعل في تتبع تطبيقه.
فالقانون النافذ ليس نهاية النقاش؛ إنه بدايته من موقع مختلف. والمحامون هم أول من سيكتشف عيوب هذا النص في الممارسة اليومية، قبل أي جهة أخرى، وقبل أي دراسة نظرية: عند التسجيل، وعند التمرين، وأمام المجالس التأديبية، وفي علاقة المكتب بالموكل، وفي المساطر أمام المحاكم. وهذه ميزة معرفية لا يملكها لا المشرّع ولا الإدارة.
ولذلك أقترح أن تُترجم هذه النقلة إلى مبادرة عملية محددة: إحداث مرصد دائم لتتبع تطبيق قانون المحاماة، بشراكة بين الجمعية والهيئات وبعض فقهاء القانون.
وقد يكون هذا، في تقديري، أحد أفضل المخارج من المأزق الحالي؛ لأنه لا يطلب من المهنة أن تتخلى عن اعتراضاتها، وإنما أن تغيّر طريقة التعبير عنها. فبدل أن يبقى الخلاف في مستوى الشعارات والمواقف، ينتقل إلى مستوى الوقائع والملفات والاجتهادات والآثار الملموسة لتطبيق القانون.
وهنا تستطيع المحاماة أن تحول رأسمالها الاحتجاجي إلى رأسمال معرفي ومؤسساتي: كل إشكال في التطبيق يُوثق، وكل تعارض محتمل مع حق أو حرية يُدرس، وكل صعوبة مهنية تُقاس آثارها، وكل نص تنظيمي يصدر يُفحص قانونياً. وعندها يصبح طلب تعديل القانون، بعد أشهر أو سنوات، مبنياً على حصيلة تطبيق لا على مجرد استمرار الخلاف الذي سبق صدوره.
مهمة المرصد أن يوثّق، ملفاً ملفاً وقراراً قراراً، الإشكالات العملية والدستورية التي يثيرها تطبيق النص، وأن يصدر تقريراً سنوياً مؤسَّساً لا بياناً ظرفياً.
وقد يُقال إن انتظار سنتين قبل أن تُفتح آلية الدفع بعدم الدستورية يجعل هذا العمل سابقاً لأوانه. والحقيقة عكس ذلك تماماً. فالتجربة المقارنة تُظهر أن الثقافة الدستورية لا تسبق الآلية وإنما تنشأ من ممارستها: المحامون في فرنسا لم يتعلموا بناء الحجج الدستورية قبل أن تكون لديهم قضايا يترافعون فيها، بل نشأت ثقافة مسألة الدستورية بعد إقرارها سنة 2010 لا قبلها. ومعنى ذلك أن الخطر الحقيقي ليس في طول الأجل، وإنما في أن يحلّ أجله فنكتشف أن أحداً لم يستعد لاستعماله.
فالسنتان المقبلتان ليستا فراغاً إذن؛ إنهما مهلة إعداد. وهي الفرصة لتكوين المحامين على صياغة الدفوع الدستورية، ولتوثيق المقتضيات المرشحة للطعن، ولبناء الاجتهاد المهني الذي سيجعل الآلية، حين تُفتح، مستعمَلة لا معطَّلة بحكم الواقع.
ولمثل هذا المرصد إذن ثلاث وظائف تتحقق تباعاً. فهو يبني الملف الموثق الذي سيُقدَّم للأغلبية المقبلة لطلب التعديل، فلا يكون الطلب مجرد مطلب سياسي بل حصيلة تطبيق. وهو يهيئ الحجج القانونية لليوم الذي تُفتح فيه آلية الدفع بعدم الدستورية. وهو، وهذا أهمها، يعيد المهنة إلى موقعها الطبيعي في الرأي العام، إذ ينتقل خطابها من الاحتجاج إلى الخبرة، ومن الدفاع عن نفسها إلى إنتاج المعرفة حول العدالة.
ثلاثة مسارات موازية
وإلى جانب هذا المسار المعرفي، ثمة ثلاثة مسارات موازية ينبغي ألا تُهمل.
أولها: الاستحقاقات التشريعية المقبلة. فبعدها ستتشكل أغلبية جديدة وحكومة جديدة، ويصبح التعديل التشريعي ممكناً. وهذه لحظة مناسبة لانتزاع التزامات مكتوبة من الأحزاب قبل الاقتراع لا وعود بعده، لأن الأحزاب اليوم في لحظة حاجة لا في لحظة تمكين.
وثانيها: النصوص التنظيمية التي علّق القانون عليها تنفيذ بعض مقتضياته، وهي النافذة القانونية الوحيدة المفتوحة الآن. وإن لم يكن التشاور بشأنها مضموناً، فينبغي التذكير بأن النص التنظيمي، بخلاف القانون، قابل للطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري فور صدوره. أي أن هناك قاضياً متاحاً اليوم، لا بعد سنتين. ومن يرفض النقاش قبل الإصدار سيجده بعده أمام القاضي الإداري؛ والفرق بين الطريقين ليس في النتيجة وحدها، بل في الوقت وفي الثقة.
وثالثها: وهو المسار الذي يتجاوز المحاماة إلى المغاربة جميعاً: المطالبة بتقصير أجل الأربعة والعشرين شهراً المنصوص عليه في المادة 31 من القانون التنظيمي 35.24.
فقد كتب الأستاذ عبد اللطيف المنوني، وهو أحد أكبر فقهاء القانون الدستوري في المغرب أن الدستور ليس وثيقة حِكراً على الفقهاء والسياسيين وأنه ملك كل مواطن مغربي وأنه لن يؤدي دوره بوصفه القاعدة الأساسية إلا إذا عرفه كل مواطن وفهمه واحتجّ به حين تُنتهك حقوقه، وأن الفصل 133 هو الآلية المؤسسية القادرة على تحقيق هذا التعميم للدستور.
ومن هنا فإن ما يُطلب اليوم ليس امتيازاً للمحامين ولا مطلباً فئوياً. إنه أن يُمكَّن المواطن المغربي، بعد خمسة عشر عاماً من انتظار حق أقرّه له دستوره، من الاحتجاج به فعلاً أمام قاضيه. وكل شهر إضافي من التأجيل هو شهر يبقى فيه الدستور، في هذا الجانب بالذات، نصاً يُدرَّس لا حقاً يُمارَس. وهذا مطلب وطني قابل للتحقق بتعديل تشريعي واحد.
وهكذا تتغير خريطة العمل بالكامل: من الإضراب إلى التوثيق، ومن رفض المشروع إلى تقييم القانون، ومن الضغط من أجل عدم صدوره إلى الضغط من أجل تعديله، ومن انتظار الرقابة الدستورية السابقة إلى الإعداد الجدي للرقابة اللاحقة، ومن مخاطبة الحكومة وحدها إلى مخاطبة الأحزاب والبرلمان والقضاء والرأي العام
ليست هذه عودة إلى الوراء، وإنما إعادة انتشار مؤسساتية تفرضها مرحلة جديدة.
كلمة لا بد منها: لم تكن معركة ضد الدولة
ويبقى قبل الختام أن تُقال كلمة بوضوح، لأن ما رُوّج خلال هذه الأشهر يحتاج إلى تصحيح.
لم تكن هذه معركة ضد الدولة. المحامون داخل الدولة لا خارجها، وقد أقسموا على احترام القانون، ودافعوا عن موقفهم بلغة الدستور لا بلغة التخوين، وأعلنوا احترامهم للمحكمة الدستورية حتى حين لم يأت قرارها في اتجاه ما كانوا ينتظرونه، وميّزوا بوضوح بين المؤسسة القضائية وبين المسار الذي سلكته الإحالة إليها. وهو تمييز دقيق لا يقدر عليه إلا من يعرف ما يقول.
ومن يقدّم هذه المعركة بوصفها مواجهة مع المؤسسات، فإنه يخطئ في التوصيف أو يتعمّده.
وحين يصدر القانون ويصبح نافذاً، فالانضباط له ليس تراجعاً ولا هزيمة. إنه بالضبط ما تعنيه دولة القانون: أن تحترم النص، وتواصل السعي إلى تعديله بالوسائل المشروعة. فالقوانين تُعدَّل وتُنسخ، وليس في تاريخ التشريع نص أُنزل منزّهاً عن المراجعة.
ومن هنا فإن إنهاء شكل احتجاجي أو تغييره، إذا قررت المؤسسات المهنية ذلك، لا ينبغي أن يُقرأ بمنطق الانتصار والهزيمة. فالوسائل ليست مقدسة، ولا تصبح غاية في ذاتها. معيار نجاحها هو قدرتها على خدمة الهدف الذي وُضعت من أجله. وحين تتغير المرحلة، تكون الشجاعة أحياناً في الاستمرار، وتكون أحياناً أخرى في معرفة اللحظة التي ينبغي فيها تغيير الأداة مع الحفاظ على المطلب.
وربما كان هذا هو الاختبار الأصعب للمؤسسات المهنية بعد أشهر من الوحدة: أن تثبت أن قوتها لا تظهر فقط عندما تقول لأعضائها «نستمر»، وإنما أيضاً عندما تستطيع، إذا اقتضى تقديرها ذلك، أن تقول لهم «نغير الوسيلة» وتحافظ مع ذلك على وحدتهم وثقتهم.
وإذا كنا قد وجّهنا نقداً واضحاً إلى الحكومة والبرلمان وطريقة تدبير المسار التشريعي، فإن الإنصاف يقتضي ألا تُعفى المهنة نفسها من استخلاص الدرس. فالتشاركية التي نطالب بها الدولة ينبغي أن تقابلها داخل المؤسسات المهنية ثقافة في النقاش والتقييم؛ والوحدة الضرورية في لحظة المواجهة ينبغي ألا تمنع التعدد في قراءة النتائج بعد انتهائها.
قوة المحاماة التي كشفتها هذه الأزمة تستحق الحفاظ عليها. لكن الحفاظ عليها لا يكون بتحويل كل مراجعة إلى تراجع، ولا كل نقد داخلي إلى انقسام. فقد تكون أكبر ثمرة لهذه التجربة أن تخرج المهنة منها أكثر وحدة، وأكثر قدرة في الوقت نفسه على نقد ذاتها.
خلاصة: ما الذي يُختبر حقاً؟
نعود في النهاية إلى المرآة التي بدأنا منها. فهي لم تُظهر خللاً في مهنة المحاماة؛ لقد أظهرت خللاً في العلاقة بين المؤسسات ذاتها.
ولهذا فإن أخطر ما في هذا الملف ليس القانون. إن أخطر ما فيه أن يتحول التبخيس إلى أسلوب في الحكامة: أن تبقى المؤسسات قائمة في النصوص وتُفرَّغ من وظيفتها في الممارسة، وأن يُستعاض عن التوافق بالعدد، وعن الحوار بالإخبار، وعن المساءلة بالصمت.
فالدولة القوية لا تُبنى بإضعاف مؤسساتها، ولا بالمراهنة على أن الوقت سيستهلك الاحتجاج. ودولة تُبخّس مؤسساتها لا تربح قوة؛ إنها تخسر أدوات تصحيح نفسها.
وقد كتبتُ سابقاً أن العدد يستطيع أن يمرّر القانون، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع تشريعاً جيداً. وأضيف اليوم: كما أن النشر في الجريدة الرسمية يستطيع أن يجعل القانون نافذاً، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعله مقبولاً في نظر من يخاطبهم.
ولذلك يبقى السؤال الذي ينبغي أن نخرج به من هذا كله: لا كيف نُصلح قانون المحاماة، بل كيف نُصلح الطريقة التي نصنع بها القوانين.

