بقلم: رضوان الغزاوي
لم تكن آيت بوكماز سوى واحدة من آلاف القرى التي تنتمي إلى المغرب العميق؛ ذاك المغرب الذي لا تراه الكاميرات الرسمية ولا يصل إليه صدى الشعارات الحكومية. قرى جبلية وسهلية، هامشية وضواحي المدن الكبرى ، تشترك كلها في الإقصاء والتهميش والحرمان من أبسط شروط الحياة الكريمة… الواقع ليس غريبًا عنا. نعيشه ونحس به يوميا، حتى ونحن نُبحر في عوالم الفيسبوك والإنستغرام حيث تُعرض صور مغرب “آخر”، مغرب الواجهات الجميلة والمشاريع الضخمة. لكن خلف هذه الصور، هناك شعب كامل يُعاني من الغياب المزمن للتنمية، ومن صمت المؤسسات، ومن غياب الدولة حين يتعلق الأمر بالصحة والتعليم والبنية التحتية.
إن البرامج التنموية التي خُصّصت للعالم القروي، أُفرغت من مضمونها وتحولت إلى أدوات للريع السياسي، حيث سطا عليها منتخبون وفاعلون حولوا التنمية إلى غنيمة تُخدم الأجندات الانتخابية والتكتلات الزبونية، بدل أن تكون وسيلة لتحسين ظروف العيش. وهذا ما قاله رئيس جماعة ايت بوكماز عندما كان عضو في البرلمان حيث صرخ ” كفى تسيسا للتنمية بالعالم القروي ” وهده تعد من أغرب المفارقات في المشهد السياسي المغربي، أن نجد رئيس مجلس جماعي، منتخبٌ بقوة صناديق الاقتراع، ومخوّل قانونًا بإعداد وتنفيذ برامج التنمية المحلية، يخرج على رأس مسيرة احتجاجية يطالب فيها بما يُفترض أنه من صميم مسؤولياته.
فهل نحن أمام سياسة أُفرغت من مضمونها؟
أم أننا ببساطة أمام اختلال بنيوي في نظام اللامركزية السياسية والإدارية بالمغرب؟
الجواب يحمل شيئا من الاثنين معا.
فرئيس الجماعة، نظريًا، يُفترض أن يكون فاعلًا في التنمية، لا فاعلًا في الاحتجاج. فهو يتوفر على ميزانية (وإن كانت محدودة)، وعلى أدوات قانونية، وعلى إمكانية اقتراح برامج وتنفيذ مشاريع بالتنسيق مع الدولة والمؤسسات. وإذا عجز عن ذلك، فالمشكلة إما في كفاءته، أو في حدود الصلاحيات الممنوحة له، أو في غياب الالتقائية بين البرامج القطاعية المركزية والمحلية.لكن حين يصبح الاحتجاج هو الوسيلة الوحيدة أمام الرئيس نفسه، فهذا يعني شيئا خطيرًا:
اولا : أن اللامركزية في المغرب لا تزال شكلية، وغير قادرة على منح المنتخبين القوة الحقيقية للفعل.
ثانيا : أن الدولة تفرغ المجالس المنتخبة من مضمونها وتُبقي على القرار التنموي الحقيقي في يد “سلطة الوصاية”.
ثالثا : أن السياسة أصبحت مجرد تمثيل انتخابي بلا أثر فعلي، ما يدفع المنتخب للانضمام إلى صفوف المحتجين ليرضي ناخبيه، أو ليُخلي مسؤوليته أمام الرأي العام.
إنها صورة صارخة لانفصام المؤسسات منتخب يحتج بدل أن ينجز، ومواطن لا يجد في المؤسسات سوى أبواب مغلقة، ومسؤول محلي بلا سلطة حقيقية، في نظام يقول إنه لا مركزي، بينما يدار في العمق من المركز!
من رحم هذا الإقصاء، خرجت مسيرة آيت بوكماز الشعبية، من أعالي الجبال، مشيًا على الأقدام. لم يطلب أهلها المستحيل، فقط طالبوا بطبيب، وإشارة هاتف، وطريق صالح، وملعب للأطفال، وماء صالح للشرب.فهل أصبحت هذه المطالب عبئا لا تتحمله ميزانية الدولة ؟ كيف نفسر قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع بملايير الدراهم من أجل تنظيم تظاهرات دولية أو الترويج لصورتها أمام العالم، في الوقت الذي تعجز فيه عن توفير أبسط الحقوق لقرى بكاملها؟
ولا اخفي عليكم سرا وأنا أتابع هذه المسيرة، لم يسعفني النسيان، فتذكرت حراك الريف، وجرادة، وزاكورة… حركات احتجاجية سلمية، خرج فيها الناس فقط من أجل حقهم في التنمية. لكننا رأينا كيف تم تسفيه مطالبهم، وتشويه صورتهم، وإلباسهم تهما خطيرة. فالريف اتُّهم بالانفصال، وجرادة بالعصيان، وزاكورة بتهديد الأمن العام! شعارات تُستعمل عادة في الدول الديكتاتورية لكبح صوت التغيير، لتخويف الناس من أنفسهم، ومن حقهم في المطالبة.
فهل نحن فعلاً في دولة تحترم التعددية وحقوق الإنسان؟
هل أصبح المواطن المغربي مجرد رقم انتخابي، له قيمة فقط كل خمس سنوات، ثم يُلقى به في الهامش مجددًا؟
هل تحوّل الحق في الماء والعلاج والتعليم إلى مطالب “مزعجة” يجب كبحها؟
إن مسيرة آيت بوكماز ليست سوى حبة رمل في صحراء الإقصاء. لكنها أيضًا صرخة صادقة في وجه النسيان، في وجه “التنمية الانتقائية” التي تُجمّل ما هو ظاهر وتترك العمق يئن بصمت. ربما لا نملك ما يكفي من أدوات التأثير، ولا نملك منابر وطنية تنقل أصوات هؤلاء، لكننا نملك الكلمة، ونملك القلم، ونملك السؤال:
متى سيشعر هذا المغرب العميق بأنه جزء حقيقي من هذا الوطن؟

