متابعة تطوان44
في تطوان، لا تُقاس المدينة فقط بجمالها المعماري أو بتاريخها العريق، بل بنبضها الفني وروحها الموسيقية التي تسكن أزقتها وقلوب أهلها. فالفن هنا ليس رفاهية، بل هوية جماعية متجذرة، وذاكرة جمعية تنبض بها المدينة منذ قرون.
عُرفت تطوان بأنها مهد للثقافة والفن في شمال المغرب، فهي المدينة التي أنجبت فنانين كبارًا، واحتضنت تجارب موسيقية رائدة، وكانت سبّاقة إلى تأسيس مؤسسات فنية وموسيقية تُعدّ الأولى من نوعها على الصعيد الوطني.
معهد تطوان للموسيقى.. مدرسة الروح
يُعدّ “المعهد الموسيقي بتطوان”، الذي تأسس سنة 1945، واحدًا من أعرق المؤسسات الموسيقية في المغرب. هنا، يتعلم التلاميذ أصول الطرب الأندلسي والغرناطي على يد أساتذة متخصصين، وسط أجواء تحاكي حضارة الأندلس بكل ما فيها من رقة وأصالة.
يقول الأستاذ مصطفى بوهلال، أحد مدرّسي المعهد: “تطوان لا يمكن أن تفصلها عن الموسيقى الأندلسية، فهي جزء من نسيجها الثقافي، والمعهد هو الحارس الصامت لهذا التراث الرفيع”.
الفن التشكيلي.. من تطوان إلى العالم
في موازاة الموسيقى، برزت تطوان كواحدة من أهم الحواضر الفنية في المغرب، خصوصًا في مجال الفن التشكيلي. فقد احتضنت أول مدرسة للفنون الجميلة بالمملكة سنة 1945، وهي المؤسسة التي تخرّج منها رواد كبار بصموا المشهد الفني الوطني والدولي.

تقول الفنانة التشكيلية فدوى برادة، خريجة المدرسة: “تطوان ألهمتني كمدينة قبل أن تُعلّمني كمدرسة. ضوءها، هندستها، ناسها، كلها عناصر تُغذي الإبداع”.
منصات ومهرجانات.. الفن حاضر رغم التحديات
لا تخلو أجندة تطوان الثقافية من مهرجانات موسيقية وفنية، أبرزها مهرجان العود الدولي الذي يستقطب سنويًا نخبة من العازفين من مختلف أنحاء العالم. كما تحتضن المدينة مهرجان “الطرب الأصيل”، ومهرجان “موسيقى الشباب”، وغيرها من التظاهرات التي تُحيي المشهد الفني وتمنح للفنانين المحليين فرصة البروز.
غير أن هذه الدينامية تعترضها تحديات، كما يوضح الناقد الموسيقي عبد المجيد بنهندة: “الفن في تطوان يعيش بين نبض الجمال وغياب الدعم، إذ لا تكفي المهرجانات الموسمية، بل يجب تمكين الشباب من فضاءات الإبداع المستدامة”.
الفنانون الشباب.. مواهب تبحث عن الاعتراف
داخل أحياء المدينة، وفي المقاهي الثقافية، والمراكز الجمعوية، تظهر موجة جديدة من الفنانين الشباب الذين يجمعون بين التراث والتجريب، بين العود والگيتار، بين القصيدة التقليدية والراب، في محاولة لتجديد التعبير الفني دون قطع مع الجذور.
أحد هؤلاء الشباب، هو حمزة العمراني، موسيقي ومغنٍ تطواني، يقول: “نحن جيل نحترم الماضي، لكننا نبحث عن صوتنا الخاص. نريد أن نحكي قصتنا بلغتنا، دون أن ننسى من أين أتينا”.

مدينة تتنفس الفن
في تطوان، لا تمرّ لحظة دون أن يعبرها لحن أو خطّ فني. من جدران المدينة العتيقة التي تحوّلت إلى جداريات، إلى زوايا العزف في رياض المعهد، مرورًا بورشات الفنون الجميلة، تظل المدينة شاهدة على أن الفن هنا ليس فقط نشاطًا ثقافيًا، بل هو أسلوب عيش ومقاومة جميلة في وجه النسيان.

