رضوان الغزاوي – باحث في السياسة الدولية والدبلوماسية
تشهد عدة مدن مغربية منذ أسابيع موجة احتجاجات شبابية متصاعدة، انطلقت شرارتها من فضاءات التواصل الاجتماعي، لترتسم سريعاً على أرض الواقع في الشوارع والساحات. فالأوضاع الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية ببلادنا باتت لا تُطاق، وأصبحت كفيلة بأن تنفجر في أي لحظة.
غير أن ما ميّز هذه الاحتجاجات ليس فقط حجمها ولا شعاراتها الاجتماعية والسياسية، بل أيضاً الطريقة المثيرة للجدل التي جرى التعامل بها من طرف المؤسسات المنتخبة والحكومية، وسط صمت رهيب وغياب تام لأي تواصل رسمي أو شبه رسمي منذ انطلاق هذه التحركات الشعبية.
للأسف، سُجّلت حوادث دهس في مدن مثل وجدة وإنزكان على يد عناصر من الأمن، قابلها في المقابل أعمال عنف وتخريب محدودة من بعض المحتجين. كانت هذه الممارسات نتيجة مباشرة للتوتر والتعامل الأمني المفرط الذي واجهت به السلطات الاحتجاجات السلمية.

أما ما جرى بعد أحداث إنزكان فكان صادماً وغير قابل للتصديق؛ إذ بدا وكأن أوامر قد صدرت بانسحاب القوات الأمنية من بعض الساحات في لحظات حساسة، وهو ما فتح المجال أمام مجموعات من “البلطجية” لممارسة العنف تحت غطاء غامض.
هذه الوقائع تطرح أسئلة حقيقية لا يمكن تجاوزها:
- من أعطى الأمر بالدهس؟
- من قرر الانسحاب الأمني؟
- ومن سمح لعناصر خارجة عن القانون بالنزول إلى الشارع؟
هذه ليست مجرد أسئلة عرضية أو بدافع الفضول، بل قضايا تمس جوهر الشرعية والمشروعية في الدولة. فعندما تفقد الدولة قدرتها على حماية مواطنيها، وتسمح بتحوّل الفضاء العمومي إلى ساحة للعنف، فإنها تفقد كذلك حجتها الأخلاقية أمام المجتمع وهيبتها أمام الداخل والخارج.
الأزمة الحقيقية إذن ليست في الاحتجاجات ذاتها، بل في فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع. فالحكومة بدت عاجزة عن احتواء الغضب الشعبي، والأحزاب السياسية غارقة في الحسابات الضيقة، وفاقدة لدورها الطبيعي كوسيط بين الدولة والمواطنين. وهنا تتجه الأنظار نحو المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن للاستقرار وصاحبة القرار في لحظات الانعطاف الكبرى.
اليوم، بات السؤال الملحّ: ما المطلوب الآن؟
قد يكون من الضروري – ولو بخطوة استثنائية – أن يتدخل الملك لإقالة الحكومة وحل البرلمان. وإن بدت هذه الخطوة غير مألوفة، فإنها قد تمثل فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وفتح أفق جديد للحوار والإصلاح. فالإقدام عليها ليس ضعفاً، بل تجسيداً لقوة الدولة ورمزيتها، باعتبار الملك حامي الملة والدين، قبل أن تتحول الشرارة إلى انفجار يصعب احتواؤه.
لقد أثبتت التجارب الدولية – من مدغشقر إلى لبنان ونيبال وليبيا وسوريا – أن شرارة صغيرة كفيلة بإحداث تحولات عميقة. لذلك، علينا جميعاً أن نفكر بمسؤولية في إحداث تغيير جذري على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ببلادنا.
فالوطن ليس لعبة في أيدي الناس ولا وسيلة لتصفية الحسابات السياسية أو الاقتصادية؛ الوطن هو الأم، وهو الحضن الدافئ. نحن مسؤولون جميعاً عن الحفاظ عليه، مقابل أن يصون كرامتنا وحريتنا وحقنا في العيش الكريم.
المغرب اليوم أمام مفترق طرق واضح:
إما مغرب يتسع للجميع، من خلال إصلاح سياسي جريء يعيد الثقة للمواطن ويمنح معنى حقيقياً للمشاركة،
أو وطن ينزلق نحو المجهول تحت وطأة صمت الدولة وتواطؤ النخب.
الخيار بيد القيادة السياسية، ولا مجال لتأجيله. فالوطن ليس غنيمة لفئة، بل أمانة في أعناق الجميع.

