في ظل توتر العلاقات بين الجزائر وكل من مالي وموريتانيا، تبرز تساؤلات حقيقية حول قدرة الجزائر الحفاظ على أمنها القومي في منطقة تعرف تحولات سياسية وأمنية متسارعة. فبالرغم من موقعها الإستراتيجي في قلب المغرب الكبير، وامتدادها الجغرافي نحو دول الساحل الإفريقي الغني بالثروات الطبيعية، لم تنجح الجزائر في تحويل هذا الموقع إلى نقطة قوة اقتصادية أو سياسية لصالحها أو لصالح المنطقة ككل.
بدل أن تجعل من أمن المغرب العربي أولوية، اختارت الجزائر منذ عقود نهجًا يقوم على معاداة الجوار، ودعم حركات الانفصال، ونشر ثقافة التطرف والإرهاب. فقد ظلت لأكثر من ستين سنة تساند ميليشيات البوليساريو الانفصالية في الأراضي المغربية الجنوبية، وذهبت أبعد من ذلك حين دعمت فكرة الحكم الذاتي للطوارق في شمال مالي، ووجهت خطابات عدائية لتونس، وتدخلت عسكريًا في ليبيا.
غير أن هذا النهج لم يثمر سوى عزلة متزايدة وأزمات متلاحقة. فبعد انقلاب مالي الأخير، اشتعلت مطالب الطوارق في شمال مالي وجنوب الجزائر بالانفصال، فيما أعلن نشطاء “جمهورية القبائل” من باريس عن ميلاد دولتهم، مطالبين النظام الجزائري بالاعتراف بحق تقرير المصير لشعب القبائل. وهي تحولات تُنذر بتصدعات داخلية تهدد الأمن الوطني الجزائري من الداخل.
أما على الصعيد الدولي، فقد شكل قرار مجلس الأمن الأخير بشأن الصحراء المغربية ضربة موجعة للدبلوماسية الجزائرية، إذ أقرّ بمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 كحلٍّ واقعي وذي مصداقية. ورغم أن الجزائر تعتقد أنها تتحكم في جبهة البوليساريو، فإن التجارب الإقليمية والدولية أثبتت أن من يزرع التطرف لا يمكنه السيطرة على نتائجه، كما حدث في العراق وسوريا والبوسنة والهرسك.
لقد أضاع النظام الجزائري فرصًا عديدة لبناء تعاون مغاربي حقيقي. فالمغرب دعا مرارًا إلى إنشاء شراكات استراتيجية وأمنية واقتصادية تخدم المنطقة، كما سعت تونس لتوحيد الصف المغاربي، وطالبت ليبيا ببناء جيش مغاربي ونظام اقتصادي مشترك. لكن الجزائر رفضت كل هذه المبادرات بحجة “ضرورة اعتذار المغرب عن حرب الرمال”، رغم أن تلك الحرب كانت إحدى مخلفات الاستعمار، كما حدث بين دول كبرى مثل الصين والهند وتركيا واليونان.
إن تمسك الجزائر بالأوهام جعلها تواجه اليوم تحديات أمنية خطيرة تهدد كيانها من الشمال بجمهورية القبائل، ومن الجنوب بجمهورية الطوارق، ومن الغرب بميليشيات البوليساريو التي باتت عبئًا عليها أكثر من كونها ورقة ضغط.
وفي وقت يزداد فيه التنافس الدولي على مصادر الطاقة والثروات الطبيعية، قد تتحول ثروات الغاز والبترول الجزائرية إلى مطمع للقوى الكبرى كما حدث في العراق وسوريا وليبيا. فالجزائر اليوم أمام واقع إقليمي ودولي متغير، ولم تدرك بعد أن قوة الدول تُقاس بصلابة تحالفاتها وقدرتها على التكيّف مع النظام العالمي الجديد الذي تحكمه الرقمنة والذكاء الجيوسياسي.
إن مبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية يمكن أن تشكل مفتاحًا لتجاوز التوترات، وتفتح الباب أمام تعاون مغاربي شامل يعود بالنفع على شعوب المنطقة. فالمغرب بما يمتلكه من استقرار سياسي ورؤية استراتيجية قادر على المساهمة في تهدئة الأوضاع بشمال مالي، وكبح النزعات الانفصالية في منطقة القبائل، شريطة أن تكون الجزائر صادقة في نواياها ومستعدة لفتح صفحة جديدة مع جيرانها.
الجزائر اليوم أمام مفترق طرق حاسم ؛ فإما أن تختار طريق الحكمة والتعاون والتكامل المغاربي، أو تستمر في الغرق في بؤر التطرف والفوضى التي صنعتها سياساتها على مدى عقود.الكرة في ملعب الجزائر، والوقت لم يعد في صالحها.

