بقلم : إ. تسولي
دعت الدكتورة جيهان الخطابي، نائبة رئيس مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، إلى اعتماد مقاربة شاملة لمواجهة العنف الرقمي الموجه ضد النساء، تقوم على تحيين المنظومة القانونية، وتعزيز الحماية المؤسساتية، وترسيخ التربية الرقمية، بما يضمن فضاء إلكترونيًا آمنًا ويدعم المشاركة السياسية للنساء.
جاء ذلك خلال مداخلة علمية قدمتها تحت عنوان: «العنف الرقمي بالمغرب: كابوس افتراضي يقوض المشاركة السياسية للنساء… من التشخيص إلى التمكين»، تناولت من خلالها التحولات التي عرفها العنف ضد النساء في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية، وما أفرزته من ممارسات جديدة تتجاوز الفضاء الواقعي إلى العالم الافتراضي.
وأبرزت الخطابي أن التحول الرقمي، رغم ما أتاحه من فرص لتوسيع فضاءات التعبير والتواصل والمشاركة في الشأن العام، أفرز في المقابل تحديات متزايدة، في مقدمتها استعمال الوسائط الرقمية في استهداف النساء، ولا سيما الفاعلات في المجالين السياسي والمدني، من خلال التشهير والابتزاز وخطابات الكراهية والتحرش الإلكتروني.
وأوضحت أن العنف الرقمي لم يعد مقتصرًا على السب والشتم، بل أصبح يشمل القرصنة الإلكترونية، وانتهاك الحياة الخاصة، ونشر الصور المفبركة، واستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتويات مسيئة، فضلًا عن تنظيم حملات ممنهجة للنيل من السمعة والمصداقية وإسكات الأصوات النسائية المؤثرة.
وأكدت نائبة رئيس مجلس الجهة أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في كونها لا تستهدف المرأة في شخصها فقط، بل تضرب أدوارها المجتمعية والسياسية، وتدفع عددًا من الكفاءات النسائية إلى ممارسة الرقابة الذاتية أو الانسحاب من النقاش العمومي، بل والعزوف عن الترشح وتحمل المسؤوليات.
واعتبرت أن هذا الوضع يشكل تهديدًا للمشاركة السياسية للنساء ولمبادئ المناصفة وتكافؤ الفرص، كما يقوض المسار الديمقراطي، الذي يفترض إتاحة المجال أمام جميع المواطنات والمواطنين للمساهمة في تدبير الشأن العام بعيدًا عن الترهيب والتشهير والإقصاء.
وتوقفت الخطابي عند الآثار النفسية والاجتماعية للعنف الرقمي، مؤكدة أنها لا تنتهي بانتهاء نشر المحتوى المسيء، بل تمتد إلى الحياة الأسرية والمهنية والاجتماعية للضحية، وتؤثر في استقرارها النفسي وقدرتها على مواصلة العطاء والانخراط في الحياة العامة.
ولم تقتصر المداخلة على تشخيص الظاهرة، بل تضمنت مجموعة من المقترحات العملية، في مقدمتها تحيين التشريعات الوطنية لمواكبة الجرائم الرقمية المستجدة، وتبسيط مساطر التبليغ والتقاضي، وتأهيل القضاة وضباط الشرطة القضائية للتعامل مع قضايا العنف الإلكتروني، إلى جانب توفير المواكبة النفسية والقانونية للضحايا.
كما دعت الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة إلى تحمل مسؤوليتها الأخلاقية والتنظيمية، من خلال اعتماد مواثيق داخلية تجرم التشهير والعنف الرقمي، وإحداث خلايا للمواكبة والدعم، وتأطير المنتسبين إليها على قيم الحوار والاحترام وأخلاقيات التواصل عبر المنصات الرقمية.
وفي الجانب الوقائي، شددت الخطابي على أهمية إدماج التربية الرقمية والأمن السيبراني ضمن برامج التكوين والتوعية، وتنظيم دورات لفائدة النساء الفاعلات في الشأن العام، لتمكينهن من حماية معطياتهن الشخصية، وتوثيق الاعتداءات الرقمية، والتعامل الفعال مع آليات التبليغ.

كما أكدت ضرورة تطوير شراكات مع منصات التواصل الاجتماعي، بهدف تسريع إزالة المحتويات المسيئة، وتسهيل معالجة الشكايات، والتصدي للحسابات التي تقود حملات التشهير والتحريض والكراهية ضد النساء.
واختتمت الدكتورة جيهان الخطابي مداخلتها بالتأكيد على أن مواجهة العنف الرقمي ضد النساء ليست قضية فئوية أو مطلبًا حقوقيًا معزولًا، بل قضية ديمقراطية ووطنية، لأن حماية النساء في الفضاء الرقمي تعني حماية حرية التعبير والتعددية والثقة في المؤسسات، وضمان مشاركة سياسية مبنية على الكفاءة والاستحقاق.
وقدمت المداخلة رؤية متكاملة جمعت بين التشخيص العلمي والتحليل القانوني والاجتماعي والسياسي، إلى جانب اقتراح حلول واقعية، مؤكدة أن بناء مغرب رقمي حديث يظل رهينًا بتوفير فضاء إلكتروني آمن يحفظ كرامة النساء ويصون حقوقهن ويضمن مشاركتهن الفاعلة في صناعة القرار.

