متابعة محمد العربي اطريبش
تحولت واقعة قيل إنها شهدت تعرض مشجع جزائري لاعتداء بمدينة بوسطن الأمريكية، عقب المباراة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره الهولندي، إلى محور اهتمام واسع داخل الجزائر، رغم غياب أي تأكيد رسمي من السلطات الأمريكية بشأن تفاصيلها أو ملابساتها إلى حدود الساعة.
وبمجرد تداول مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، سارعت وسائل إعلام جزائرية إلى تبني رواية الحادث باعتبارها حقيقة ثابتة، قبل أن تتطور القضية إلى مستوى الخطاب الرسمي، بعدما أعلن الرئيس الجزائري تدخل سفارة بلاده في واشنطن لمتابعة الملف لدى السلطات الأمريكية، في مشهد يعكس السرعة التي انتقلت بها رواية غير مؤكدة من فضاء التواصل الاجتماعي إلى دوائر السياسة.
ويثير هذا التعاطي العديد من علامات الاستفهام حول كيفية تحول الأخبار غير الموثقة إلى مواقف رسمية، في وقت ما تزال فيه الجهات المختصة في الولايات المتحدة الأمريكية لم تصدر أي بيان يؤكد أو ينفي الوقائع المتداولة، كما أن وسائل الإعلام الأمريكية لم تتناول القضية بالحجم الذي ظهرت به داخل الجزائر.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الرواية المتداولة شهدت تغيرات متلاحقة منذ انتشارها، كما أن بعض المقاطع المصورة التي تم تداولها على نطاق واسع تضم لقطات من أماكن وأوقات مختلفة، وهو ما جعل العديد من المتابعين يدعون إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية بدل إصدار الأحكام المسبقة أو الانجرار وراء التأويلات.
ويرى متابعون أن تضخيم هذه القضية يعكس استمرار توظيف بعض الأحداث الرياضية لخدمة أجندات سياسية وإعلامية، حيث يتم تقديم روايات غير مكتملة على أنها حقائق نهائية، بما يسهم في تأجيج الرأي العام وإثارة مشاعر العداء، بدلاً من الالتزام بقواعد التحقق والحياد المهني.
كما أعادت الواقعة إلى الواجهة أسماء اعتادت مهاجمة المغرب في مناسبات متعددة، وفي مقدمتها المعلق الرياضي حفيظ الدراجي، الذي استثمر القضية لتوجيه اتهامات مباشرة إلى الجماهير المغربية، رغم غياب معطيات رسمية تثبت صحة الرواية المتداولة، الأمر الذي اعتبره عدد من المتابعين استمراراً لخطاب إعلامي يقوم على الانتقائية والتحريض أكثر مما يستند إلى الوقائع.
وفي المقابل، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة بما ستسفر عنه التحقيقات الأمريكية إن وُجدت، إذ لا يمكن الجزم بوقوع الاعتداء أو نفيه في غياب معطيات رسمية موثقة. غير أن الفارق كبير بين احتمال وقوع حادث فردي قد يحدث في أي تجمع جماهيري، وبين الترويج لرواية تتحدث عن اعتداء جماعي منظم شارك فيه عشرات الأشخاص دون تقديم أدلة قاطعة.
وتؤكد هذه الواقعة، مرة أخرى، أهمية التحلي بالمسؤولية في التعامل مع الأخبار المتداولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا قد تؤثر في العلاقات بين الشعوب أو تغذي خطاب الكراهية. فالسبق الإعلامي لا ينبغي أن يكون على حساب الحقيقة، كما أن تضخيم الوقائع غير المؤكدة لا يخدم إلا من يسعى إلى صناعة التوتر وصرف الأنظار عن قضايا أخرى.
وفي انتظار ما ستكشف عنه الجهات الأمريكية المختصة، يبقى التعامل المهني مع هذه القضية رهيناً بالتحقق من الوقائع والاعتماد على المصادر الرسمية، بعيداً عن حملات التحريض أو توظيف الأحداث لخدمة حسابات سياسية وإعلامية ضيقة.

