متابعة محمد العربي اطريبش
لم تكن الهتافات التي صدحت بها بعض الجماهير الإسبانية خلال المواجهة التي جمعت بين منتخب مصر وإسبانيا مجرد ردود فعل عفوية داخل مدرجات كرة القدم، بل بدت في جزء منها امتداداً لخطاب أعمق يحاول إعادة تشكيل صورة نمطية سلبية عن الجماهير العربية والمسلمة، في لحظة رياضية يفترض أنها توحد الشعوب لا أن تفرقها.
ففي الوقت الذي ارتفعت فيه شعارات تندد بما سُمّي “عنصرية الجماهير العربية تجاه الإسبان”، بدا المشهد وكأنه قلب للحقائق، أو على الأقل محاولة لتبرير سلوكيات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من التوترات الثقافية والإعلامية. إذ لا يمكن اختزال ردود فعل جماهير عربية، غالباً ما تكون مرتبطة بسياقات رياضية أو سياسية، في خانة “العنصرية”، بينما يتم التغاضي عن خطابات إقصائية تصدر من مدرجات أوروبية وتستهدف المسلمين بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، برزت لحظة لافتة داخل رقعة الميدان، حيث بدا الغضب واضحاً على ملامح النجم الشاب لامين جمال، الذي لم يُخفِ استياءه من الهتافات المعادية للإسلام الصادرة من بعض الجماهير الإسبانية. ردّة فعله داخل الملعب لم تكن مجرد انفعال عابر، بل عكست حالة من الرفض الصريح لمظاهر التمييز، ورسالة قوية بأن كرة القدم لا يمكن أن تكون غطاءً لخطابات الكراهية.
هذا التوصيف الانتقائي لا يعدو كونه محاولة “لحجب الشمس بالغربال”، هدفها إعادة توجيه النقاش بعيداً عن جوهر الإشكال، نحو صناعة صورة نمطية تخدم أجندات معينة، خصوصاً في ظل الرهانات الكبرى المرتبطة بتنظيم مونديال 2030، الذي يجمع المغرب وإسبانيا والبرتغال في ملف مشترك، لكنه يخفي في طياته تنافساً غير معلن حول استضافة المباريات الكبرى وعلى رأسها النهائي.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل صاعد في مجال الدبلوماسية الرياضية، بعدما راكم تجربة مهمة في تدبير التظاهرات الكروية الكبرى، ونجح في كسب ثقة الهيئات الدولية وتعاطف الجماهير العالمية. فقد أبان خلال احتضانه لنهائيات قارية عن قدرة تنظيمية عالية، حتى في أصعب الظروف، حيث تمكن من احتواء حالات الفوضى التي تسببت فيها بعض الجماهير الأجنبية، دون أن تنزلق الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه.

هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية تقوم على الانفتاح والتسامح والتعايش، وهي قيم جعلت من المغرب نموذجاً إقليمياً في تدبير الأحداث الكبرى، ووجهة مفضلة لاحتضان التظاهرات الدولية. وهو ما انعكس إيجاباً على صورته لدى الرأي العام العالمي، خاصة بعد محطات كروية بارزة أظهرت قدرة المملكة على الجمع بين الحزم في التنظيم والمرونة في التعامل.
في المقابل، يبدو أن هذا الصعود لم يرق لبعض الأطراف التي تسعى، بشكل أو بآخر، إلى التشويش على هذه الصورة، عبر تضخيم أحداث معزولة أو تأويل سلوكيات جماهيرية خارج سياقها، في محاولة للتأثير على موازين القوة داخل ملف مونديال 2030، خصوصاً فيما يتعلق باحتضان المباراة النهائية.
غير أن الوقائع على الأرض تظل أقوى من كل التأويلات، فالمغرب اليوم لا يراهن فقط على البنيات التحتية أو الجاهزية اللوجستيكية، بل على رصيد من الثقة الدولية وصورة إيجابية ترسخت عبر سنوات من العمل الدبلوماسي والرياضي المتواصل.
وبين مدرجات تُستغل أحياناً لتصفية حسابات غير رياضية، وتجربة مغربية تراهن على كرة القدم كجسر للتقارب بين الشعوب، يبقى الرهان الحقيقي هو أي نموذج سيقنع العالم أكثر: خطاب الإقصاء أم ثقافة التعايش.


