بقلم: رضوان الغزاوي – باحث في السياسة الدولية والدبلوماسية والرقمنة
يمثّل البحر الأبيض المتوسط أحد أهم الفضاءات الجيوسياسية في العالم، لما يتمتع به من موقع استراتيجي فريد يربط بين ثلاث قارات هي: أوروبا، آسيا، وإفريقيا. وقد شكّل هذا الحوض البحري، عبر التاريخ، مسرحًا لتفاعلات معقّدة بين القوى السياسية والاقتصادية والثقافية، ولا يزال إلى اليوم فضاءً مركزيًا للصراع الجيوسياسي في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وأزمات الطاقة، وتحديات الهجرة، وإشكالات الأمن الإقليمي.
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل التحولات الجيوبوليتيكية في حوض البحر الأبيض المتوسط من خلال مقاربة تجمع بين القانون الدولي والجيوبوليتيك، مع التركيز على تأثير الموقع الجغرافي لهذه المنطقة في صياغة القرارات السياسية والاقتصادية. كما يناقش المقال الكيفية التي تمكّن الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، مثل المغرب وتركيا ومصر وفلسطين واليونان وقبرص وإيطاليا وفرنسا، من لعب أدوار متزايدة في ملامح النظام الدولي الجديد، خاصة في ظل التنافس المتصاعد على الموارد الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يطرح المقال الإشكالية التالية:
كيف أثّرت التحولات الجيوبوليتيكية في منطقة البحر الأبيض المتوسط على انتقال طبيعة الصراع من شكله التقليدي (العسكري–السياسي) إلى صراع جيو-اقتصادي؟ وما انعكاسات ذلك على القرارات السياسية والاقتصادية للدول المتوسطيّة؟
أولًا: الأهمية الجيوبوليتيكية للبحر الأبيض المتوسط
من منظور الجيوبوليتيك الكلاسيكي، يندرج البحر الأبيض المتوسط ضمن الفضاءات التي تتجسد فيها العلاقة العضوية بين الجغرافيا والقوة. فقد أكدت كتابات ألفرد ماهان حول “قوة البحر” أن السيطرة على الممرات البحرية تُعد شرطًا أساسيًا لبناء النفوذ الدولي، وهو ما ينطبق بوضوح على البحر الأبيض المتوسط باعتباره عقدة بحرية استراتيجية تمر عبرها نسبة معتبرة من التجارة العالمية، ولا سيما إمدادات الطاقة المتجهة نحو الأسواق الأوروبية. كما يعكس المتوسط منطق هالفورد ماكندر في ربط الجغرافيا بالهيمنة، باعتباره فضاءً حدوديًا يفصل ويصل في آن واحد بين قوى برية وبحرية متنافسة.
وفي السياق المعاصر، لم تعد الأهمية الجيوبوليتيكية للبحر الأبيض المتوسط مقتصرة على بعدها العسكري التقليدي، بل اتسعت لتشمل أبعادًا جيواقتصادية وأمنية وقانونية. فقد تحوّل هذا الفضاء البحري إلى ساحة تنافس على الموارد الطاقية، خاصة بعد اكتشافات الغاز الطبيعي في شرقه، كما أصبح مسرحًا لتقاطع رهانات الأمن البحري، والهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، وهو ما عزز حضوره كعنصر مركزي في استراتيجيات القوى الكبرى والإقليمية.
وعليه، فإن أهمية البحر الأبيض المتوسط لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من كونه فضاءً تتقاطع فيه اعتبارات القوة الصلبة والناعمة، وتتفاعل داخله الجغرافيا مع القانون والاقتصاد والأمن، ما يجعله مختبرًا حقيقيًا لفهم التحولات الجارية في بنية النظام الدولي وحدود فاعلية القواعد القانونية في ضبط الصراع في ظل اختلال موازين القوة.
ثانيًا: النزاعات البحرية كنماذج لتسييس القانون الدولي
تُشكّل النزاعات البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط نموذجًا دالًا على تسييس القانون الدولي، حيث لم يعد يُوظَّف بوصفه إطارًا محايدًا لتنظيم العلاقات بين الدول، بل كأداة لخدمة المصالح الجيوسياسية وتكريس موازين القوة القائمة. فعلى الرغم من وضوح المبادئ العامة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، إلا أن تطبيقها في الفضاء المتوسطي يصطدم بإكراهات جغرافية وسياسية، من بينها ضيق المجال البحري، وتشابك السواحل، وتداخل المناطق الاقتصادية الخالصة، ما يفتح المجال أمام تأويلات قانونية متعارضة.
وتبرز النزاعات التركية–اليونانية في بحر إيجة، والتركية–القبرصية في شرق المتوسط، والنزاع الليبي–اليوناني بشأن ترسيم الحدود البحرية، إضافة إلى النزاع الإسرائيلي–اللبناني سابقًا، كنماذج عملية لهذا التسييس. ففي هذه الحالات، تلجأ الدول إلى توظيف انتقائي لنصوص قانون البحار، وإبرام اتفاقيات ثنائية موجَّهة سياسيًا، أو التلويح بالتحكيم الدولي كوسيلة ضغط، فضلًا عن فرض الأمر الواقع عبر الحضور البحري والعسكري. ويكشف ذلك عن تحوّل القاعدة القانونية من أداة لتنظيم النزاع إلى ساحة صراع موازية تُستخدم لإضفاء الشرعية على سياسات النفوذ.
ويعكس هذا الواقع محدودية فاعلية القانون الدولي في ضبط النزاعات البحرية عندما يتقاطع مع اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية. فمن منظور الواقعية الجديدة، يظل القانون الدولي انعكاسًا لتوازنات القوة أكثر من كونه قيدًا فعليًا عليها، وهو ما يتجلى بوضوح في السياق المتوسطي، حيث تتقدّم اعتبارات الجيوبوليتيك على منطق التسوية القانونية التوافقية.
ثالثًا: القانون الدولي كأداة في الصراع الجيوبوليتيكي
لم يعد القانون الدولي، في سياق التفاعلات الجيوسياسية المعاصرة، مجرد منظومة معيارية تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول، بل أصبح في كثير من الحالات أداة تُوظَّف ضمن استراتيجيات الصراع وتكريس النفوذ. ففي حوض البحر الأبيض المتوسط، يتجلّى هذا التحوّل من خلال توظيف القواعد القانونية، ولا سيما قانون البحار، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للدول الفاعلة، ويعكس في جوهره اختلال موازين القوة أكثر مما يعكس منطق العدالة القانونية.
ومن منظور الواقعية الجديدة، كما بلوره كل من كينيث والتز وجون ميرشايمر، يُنظر إلى القانون الدولي بوصفه انعكاسًا لبنية النظام الدولي وتوازناته، لا كقيد فعلي على سلوك الدول الكبرى. فالدول، خاصة في البيئات الجيوبوليتيكيةالحساسة، لا تحتكم إلى القانون إلا بالقدر الذي ينسجم مع حسابات أمنها القومي ومصالحها الحيوية. وعليه، يتحول القانون من إطار تنظيمي إلى أداة للشرعنة السياسية، تُستخدم لتبرير سياسات الأمر الواقع أو لتقييد الخصوم الاستراتيجيين.
ويؤدي هذا التوظيف الأداتي للقانون الدولي إلى إضعاف فاعليته كآلية لحل النزاعات، ويُكرّس منطق الأمننة على حساب التسويات القانونية التوافقية. وفي السياق المتوسطي، تصبح القواعد القانونية جزءًا من الصراع ذاته، لا وسيلة لتجاوزه، ما يعكس أزمة أعمق في النظام القانوني الدولي ترتبط بحدود قدرته على ضبط التنافس الجيوبوليتيكي في ظل نظام دولي يتسم بتعدد مراكز القوة.
تبيّن الدراسة أن محدودية فاعلية القانون الدولي في ضبط النزاعات البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط تعود أساسًا إلى اختلال موازين القوة وتنامي منطق الأمننة. ويظل مستقبل الاستقرار في هذا الفضاء البحري رهينًا بقدرة الفاعلين الدوليين والإقليميين على تجاوز منطق الصراع الصفري، واعتماد مقاربات تعاونية توازن بين مقتضيات القانون الدولي وحسابات الجيوبوليتيك.
المراجع المعتمدة :
United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS). (1982). Montego Bay Convention.
2 The Tragedy of Great Power Politics. New York: W.W. Norton. Waltz, K. N. (1979).
3 عبد الإله بلقزيز (2014). الدولة والسياسة في الفكر العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

