بقلم : إيمان أشيخان باحثة في السياسة الدولية والدبلوماسية والرقمنة
عرفت قضية الصحراء المغربية تحولات جذرية في الشهور الأخيرة، وذلك مع تصاعد التحركات الدولية الرامية إلى فض النزاع الذي طال أمده في القارة السمراء، والذي أثر بشكل مباشر على المستويين الإقليمي والدولي؛ لما له من أبعاد متشابكة سياسية ودبلوماسية وجغرافية واقتصادية.
هذه التفاعلات أعادت القضية إلى واجهة المشهد الدولي، لتدخل مرحلةجديدة تتسم بتسارع التطورات وتباين المواقف؛ في ظل تصاعد الجدل حول سبل الحل ومسار الحسم المنتظر.
وفي خضم هذا الزخم السياسي والدبلوماسي، تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كطرف مؤثر يسعى إلى إعادة تشكيل مسار الحل عبر مقاربةسياسية واقعية سلمية ترضي جميع الأطراف، والتي تهدف إلى تحقيق تسوية دائمة للنزاع.
ومن نيويورك إلى قاعة مجلس الأمن الأممي، تتعدد المشاورات وتتشابك الآراء وتختلف وجهات النظر حول مشروع القرار الأمريكي، الذي بات يشكل محور الاهتمام الدولي حول قضية الصحراء المغربية، بين مؤيد يرى فيه فرصة لإنهاء حالة الجمود، ومعارض يعتبره محاولة لفرض أمر واقع يعيد ترتيب ملامح المشهد الإقليمي.
من نيويورك إلى أروقة مجلس الأمن: أمريكا تقود مسار الحسم
منذ أن طرحت المملكة المغربية مبادرة الحكم الذاتي في سنة 2007 كحل جدي وسلمي ونهائي ودائم لنزاع مفتعل، أبانت عن رؤية استراتيجية جعلت من هذا المقترح أساسا لأي مسار تفاوضي مقبول دوليا.
فقد ارتبطت هذه المبادرة بسلسلة من الشراكات الاقتصادية والاستثمارات التي جعلت من الأقاليم الجنوبية فضاء للتجارة الإقليمية والدولية، فترسخ وتزايد الدعم الدولي غير المشروط للموقف المغربي، وبالاعتراف المتناميبمغربية الصحراء من دول مؤثرة في الساحة الدولية، مثل فرنسا وإسبانيا الدولتين المستعمرتين سابقا.
لتأتي الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تقود مسار الحسم داخل أروقة الأمم المتحدة من خلال مشروع قرار يعكس تحول المقاربة الأممية من منطق النزاع والخلاف بين الأطراف إلى منطق الحل الواقعي القائم على المبادرة المغربية.
على هذا الأساس جاء مشروع القرار الأمريكي، ليترجم هذه المبادرة إلى خطوات عملية محددة ومحددا نطاق الحل وآليات التفاوض لعملية التسوية السلمية ودعم الاستقرار في المنطقة.
ويقوم المشروع على مجموعة من المقترحات الأساسية أهمها:
ومع وضوح مسار الحسم الدولي وتأكيد المبادرة المغربية كإطار للتسوية، يبرز التحدي الأكبر في تفاعل جبهة البوليساريو و الجزائر مع هذه الدينامية الجديدة التي ستؤثر وتغير معالم المرحلة المقبلة في هذا الملف.
الرفض كخيار وحيد في مواجهة الواقع
في مواجهة التحركات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية نحو حسم ملف الصحراء المغربية، تحت مقترح الحكم الذاتي، اختارت جبهة البوليساريو موقفا متعنتا يدفع نحو الرفض كخيار وحيد، معتبرة أن للشعب الصحراوي حق في تقرير المصير واستقلاله غير قابل للنقاش، على حد قولها.
ففي 17 أكتوبر سنة 2024 أصدرت بيانا أكدت فيه أنها ترفض مناقشة أي اقتراح أو فكرة تقع خارج الإطار القانوني لقضية الصحراء. وأعادت تأكيد هذا الموقف في 19 أكتوبر من نفس السنة حين شدد ممثلها لدى الأمم المتحدة على أنه لن يقبل حتى النظر في أي مقترح مهما كان شكله، يخالف إطار قضية الصحراء كمسألة تصفية الاستعمار.
وفي الوقت الذي تعد فيه الولايات المتحدة الأمريكية مشروع القرار ، تؤكد من جانبها مرة أخرى رفضها القاطع لأي مقترح يعرض خارج الإطار القانوني للقضية. معبرة أن هذا المقترح الأمريكي منحازا، لأنه يتجاهل مبدأ تقرير المصير ويكرس ويشرع منطق الأمر الواقع، حسب زعمها.
وفي تصريح آخر عبر قناة DW عربية يوم 24 أكتوبر 2025 قال ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة ”أبي بشرايا” ترفض الجبهة بأن يتم النقاش حول مقترح الحكم الذاتي، إلا في إطار الاستفتاء. أما المقترح يكون خيارا ثالثا ما بين الاستقلال أولا أو الانضمام ثانيا.
وأضاف أن الجبهة منفتحة على مسار التفاوض وعلى التسوية السلمية وبدون شروط مسبقة، ولكنها الآن ولأسباب جوهرية لا تستطيع الانخراط في المفاوضات المباشرة التي تدعو لها المسودة.
وبذلك يتضح أن الرفض بالنسبة للبوليساريو لم يعد مجرد رد فعل على مضمون مشروع القرار الأمريكي، بل أصبح إعلانا صريحا عن تمسكها بخيار التصعيد الدبلوماسي، فتحول إلى موقف مبدئي يعبر عن رفض شامل لأي مسار تفاوضي لا ينسجم مع رؤيتها الخاصة لحل النزاع؛ والذي يعكس إصرارها على تحدي الواقع الدولي الذي يتجه نحو الحسم.
امتناع يحاكي الموقف: رسالة دبلوماسية أم مراوغة سياسية
في لحظة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية مع رهانات الأمم المتحدة، يبرز الموقف الجزائري من مشروع القرار الأمريكي حول قضية الصحراء المغربيةمحاطا بدرجة من الغموض.
إذ اختارت هذه الأخيرة التلويح بعدم التصويت على مشروع القرار، ويظهر ذلك كمؤشر دبلوماسي مثير للجدل، مما يطرح عدة فرضيات محتملة لفهم موقفها المرن بين الرفض الضمني والمناورة السياسية.
وذلك كخيار استراتيجي يحول دون الانخراط المباشر في المفاوضات الذي يتيح لها الحفاظ على ثوابت سياستها المعتمدة من جهة، وحماية مصالحها في الساحة الدولية من جهة أخرى.
في حين قد يفسر من زاوية المناورة التكتيكية كوسيلة للحفاظ على مساحة للتفاوض في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة لدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي.
إن امتناع الجزائر غير المفهوم يسلط الضوء على تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي حول قضية الصحراء المغربية. إذ يظهر في شكل امتناع دبلوماسي ينطوي على الغموض والرسائل غير المباشرة.
فبينما تتشبث جبهة البوليساريو بخيار الرفض كخيار وحيد، وترى في المشروع الأمريكي تجاوزا لجوهر مسألة تقرير المصير، وتتبنى الجزائر بصفتها الداعم السياسي و اللوجيستيكي للجبهة، موقفا يغلب عليه طابع التحفظ الحذر؛ تمضي الولايات المتحدة الأمريكية بثبات نحو قيادة مسار الحسم الدبلوماسي، ساعية إرساء واقع جديد داخل أروقة الأمم المتحدة.
وقد حدد المشروع مهلة 60 يوما لمراجعة تنفيذ البنود الجديدة لمتابعة مدى تجاوب الأطراف المعنية، المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، وهو ما يفتح المجال للجولات التشاورية لترسيخ مشروع الحكم الذاتي كحل سياسي وعملي وجدي وواقعي وذا مصداقية.
ومع اقتراب موعد التصويت الحاسم ليوم غذ تتجه الأنظار إلى قاعة مجلس الأمن حيث ستتلاقى الإرادات المتعارضة والمتباينة، إرادة تتجه نحو الحسم الدبلوماسي التي تمثلها واشنطن، وإرادة الرفض التي تتزعمها البوليساريو، وإرادة الإمتناع عن التصويت التي تنتهجها الجزائر.
وبين هذه المواقف المتناقضة تبقى الأمم المتحدة أمام اختبار دقيق ومفصلي وحاسم لفرض تسوية توازن بين الشرعية والسيادة، أو تكرس عجزها عن تجاوز أزمة ونزاع منذ نصف قرن.
وهكذا إن ما سيصدر غذا لن يكون مجرد قرار إداري بتجديد ولاية بعثة المينورسو، بل سيكون قرارا حاسما ونهائيا في نزاع مفتعل طال أمده.

