في كل ليلة، تتجدد مأساة الهجرة غير الشرعية على سواحل الفنيدق، حيث يخوض الشباب مغامرة محفوفة بالمخاطر، مدفوعين بأمل الوصول إلى الضفة الأخرى بحثًا عن حياة أفضل، لكن هذا الأمل يتحطم عند أول مواجهة مع قسوة البحر وبرودة مياهه، تمامًا كما حدث مؤخرًا في منطقة “صار ميكا” بالقرب من فندق “إبيس”، حين اهتزّ المكان بصوت استغاثة صادر من أعماق البحر، شاب أو فتاة (لم يتضح الصوت بعد) يصارعان الموت بعدما لم يتمكنا من مواصلة السباحة نحو وجهتهما المنشودة.
لم يكن هؤلاء المهاجرون يطمحون سوى لفرصة تضمن لهم حياة كريمة، حلم يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه تحول إلى مخاطرة يومية يدفع ثمنها شباب فقدوا الأمل في واقعهم، صار البحر هو السبيل الأخير بعد أن ضاقت بهم السبل، فبين البطالة وانعدام الفرص، أصبحت الهجرة غير النظامية خيارًا قسريًا، رغم ما تحمله من مخاطر قد تنتهي بمأساة في عرض المياه تخلف قلبا مكلوما وعين دامعة ووجع يطول ولن يمحى من الذاكرة.
وما يزيد من قسوة هذه الظاهرة هو غياب الحلول الحقيقية والبدائل التي تضمن لهؤلاء الشباب العيش بكرامة في وطنهم، فبينما تُبذل جهود ضخمة لاستضافة أحداث عالمية مثل كأس العالم، يعيش آلاف الشباب في هامش الاهتمام، وكأن أولويات التنمية لا تشمل مستقبلهم. فهل يُعقل أن تصبح الهجرة غير الشرعية والمخاطرة بالحياة هي الخيار الوحيد أمامهم؟
إن ما جرى تلك الليلة لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل هو نداء استغاثة يعبّر عن أزمة مستمرة، عن مستقبل يضيع أمام أعين الجميع دون تحرك جاد. فلم يعد الأمر يتعلق بقصص فردية، بل بواقع جماعي يفرض على الجميع سواء المسؤولين أو المجتمع تحمل مسؤولياتهم قبل أن تتحول مياه البحر إلى مقبرة مفتوحة لشباب وجدوا في الهروب الحل والخلاص الوحيد .
فإلى متى سيظل هذا النزيف مستمرًا؟ وهل سيأتي يوم تُقدم فيه حلول حقيقية تمنح هؤلاء الشباب الأمل بدلًا من المخاطرة بحياتهم في أمواج البحر العاتية.

