تطوان44: نزار القريشي
إنَّ الغموض الذي يتجلى حول معرفة نوايا السياسات المعتمدة من طرف مؤتمر بلدربيرغ، في آخر انعقاد له شهر يونيو من سنة2022، بفندق ماندارين أورينتال بالولايات المتحدة، و الخطط التي تمخضت عن هذا المؤتمر، والذي سيتجدد بمؤتمر جديد سنة 2026. إلى ذلك، يسعى هذا المؤتمر الذي يضم تجمع نخبوي دولي إلى دعم علاقات أوروبا و أمريكا الشمالية حيث يناقش القضايا و الأزمات الدولية، إذ يعتبر بمثابة حكومة سرية في الخفاء تدير العالم لخدمة المصالح الاقتصادية للقوى الغربية المهمة، حيث تلتصق بالمؤتمر الكثير من نظريات المؤامرة، حول مساعيه للهيمنة على العالم، بالنظر إلى أهمية الشخصيات التي يضمها و درجة السرية، التي تعرفها اجتماعاته، وذلك في تنسيق و تناغم مشترك مع ” اللجنة الثلاثية” والتي هي بدورها مجموعة نقاش غير حكومية و غير حزبية تسعى لتعزيز التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة و أوروبا و اليابان، والتي تتخذ من واشنطن و باريس و طوكيو مقرات رئيسية لها، حيث أيضا يرى أصحاب نظريات المؤامرة أن هذه اللجنة أحد أهم أدوات تجمع البنائين الأحرار ، والتكتلات المصرفية الكبرى لإدارة العالم، و السيطرة عليه وفق نتيجة تصبو إلى حكومة عالمية مفترضة.لذلك إن الإمكانيات المتاحة لدينا لاستشراف خطط ” مؤتمر بلدربيرغ” و “اللجنة الثلاثية” لا تتأتى إلَّا من خلال فهمنا العميق للاستراتيجيات والسياسات المنتهجة، من ثلاث عواصم وهي: لندن و واشنطن و باريس.
فبالنظر للصراع الدولي، و تجلياته الرامية لبلوغ الأهداف و الاستراتيجيات، فإن الاشتغال قائم حاليا على مرحلة ما بعد حرب أوكرانيا و حرب غزة و التطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي ، غير أن تفكيك تعقيدات صراع الشرق الأوسط، تقترب من نهايتها على المدى المتوسط. في انتظار طرح نقاش حاسم حول التقدم الحاصل في تطوير حلف ” البريكس +” بزعامة الصين، إذ يرى الغرب الأنجلوساسكوني، في أفكار هذا الحلف الناشئ تهديدا له، وهو نقاش سيكون من أولويات “مؤتمر بلدربيرغ” القادم مع ارتباط هذا النقاش بالبحث و الدراسة بتنسيق مع”اللجنة الثلاثية”، إذ تنظر واشنطن للتقدم العسكري الصيني، خطرا و تهديدا و جوديا على أمنها و مصالحها، لذلك يهيئ المؤتمرون لمؤتمر بلدربيرغ القادم سنة2026، حسب ما تسرب لنا، خططا تساعد في انهيار معدل النمو الصيني وتراجعه، وذلك بنقل الشركات الغربية و العالمية من الصين إلى الهند، في غضون آجال زمنية لا تتعدى 15 سنة القادمة، فانهيار معدل النمو الصيني حسب تفكير هؤلاء المؤتمرون، يدفع إلى تراجع في ميزانيات الدفاع بالنسبة للجيش الصيني، و مراكز أبحاثه العلمية، وهو ما سيتجلى لاحقا من خلال الدعم الغربي المكثف للتقنية الهندية و اليابانية.
من جهة أخرى، و في سياق مختلف، يبقى صعود التقنية الإيرانية يشكل خطرا على نجاح مشروع قيام إسرائيل الكبرى، في ظل قدرة إيران على تهديد أمن الدول العربية من الخليج، إلى جبل طارق بغرب المتوسط، و امتداد هذا التهديد لعمق منطقة الصحراء الكبرى و الساحل .إذ زاد مستوى هذا المد الإيديولوجي المحتمل، بعد الرد الإيراني على إسرائيل، ردا على استهدافها مبنى القنصلية الإيرانية بدمشق، وهو ما يجعل “الرياض” تتشبت بشرط قيام دولة فلسطين العربية، مقابل الانخراط في علاقات معلنة بينها و بين إسرائيل ،وذلك لامتصاص الاحتقان العربي الداخلي ، وحصار المد الشيعي الإيراني ،بعدما وجد موطأ قدم بأربع عواصم عربية. إذ في السياق ذاته، تبقى رغبة تل أبيب بمواجهة إيران، رغبة حيوية من الوزراء المتدينين داخل الحكومة اليمينية لبنيامين نتنياهو، وذلك لجر الجيش الأمريكى لمواجهة مع الجيش الإيراني. وهو ما قد تنجر أمريكا لإنجازه إن أرادت تخريب ” البريكس” ، بعد الرغبة التي برزت لدى أعضاءه بالتضييق على الدولار.لأن برغماتية الروس لن تقبل بالصين كدولة تتزعم العالم، وهم لديهم حدود برية مشتركة معها، يضاف إلى ذلك مشكل الخلاف الحدودي بين الهند و الصين.الذي قد يفجر “البريكس” من داخله بأي لحظة قد تشهد تطورا على هذه الحدود. لذلك نلاحظ صعوبة لدى الأطراف الدولية في محاولة ترتيبهم لأوراق المرحلة، إزاء تعقيدات إقليم الشرق الأوسط و شرق آسيا. و هذا ما يتجلى في العلاقات المعقدة ما بين إسرائيل و إيران و تركيا و العرب. ومن جانب آخر، ما بين روسيا و الصين و إيران و الهند و اليابان، حيث يتجلى تزايد مستوى الصراع حول المصالح، من أجل بلوغ الأهداف و تثبيت الاستراتيجيات، على المدى المتوسط و البعيد.
من جانب آخر، فإن العلاقات بين أوروبا و أمريكا تعرف لحظات من الشك و الترقب، مع اقتراب الانتخابات الأوروبية يوم 9 يونيو 2024.إذ تريد الأحزاب اليمينية الأوروبية استقلال أوروبا عن أمريكا، وهو ما يهدد تركيبة حلف شمال الأطلسي.إلى ذلك، وعلى مستوى الشرق الأوسط، فإن الدولة العميقة بتركيا لن تسمح بطريقة و بأخرى، بتخريب ما عملت على انجازه إبان فترة حزب “العدالة و التنمية”، إذا أفرزت صناديق الاقتراع في انتخابات الرئاسة لسنة2028، مرشحا مدعوما من الغرب يسعى لعودة تركيا للوراء . لذلك يتأكد أن التقارب بين أنقرة و طهران، يعرقل مشروع الشرق الأوسط الجديد. الذي يسعى لتفكيك الدول الكبرى بالمنطقة، و تحويلها لكانتونات و مناطق إدارية تابعة له.إذ هذا ما سيفرض على البنتاغون مراجعة و تعديل خرائطه الجيوسياسية للشرق الأوسط و شرق أسيا و شمال أفريقيا، لأن بقاء أي خرائط جديدة وصمودها، يجب أن تُبنى على علاقات دولية تحافظ باستمرار على المصالح المشتركة بين الدول، تضمن ضبطها و ضبط مجتمعاتها ، إذ اتضحت الحاجة لذلك و هذه الفوضى السائدة على مستوى العالم ، فتشكيل الأحلاف وفق التقاطعات في المصالح، يضمن خدمة الاستراتيجيات على المدى البعيد، لأن واقع السياسة واقع غير ثابت و متحرك باستمرار ، و هو ما تؤكده حركية التاريخ و الجغرافية، وهو ما يؤهل العالم نحو رسم خرائط جديدة، تساهم في تحقيق التوازن العالمي ،مما يقدم ضمانة بعدم الانجرار نحو حرب كونية، والتي إن حدثت لن تكون كسابقاتها، وذلك لجعل العالم أفضل لسكانه، لأن أي تصعيد يؤول لحرب كبرى، قد يساهم في إنهاء العرق البشري من الوجود.


