تطوان44: نزار القريشي
ونحن نتابع تطور العقل العربي، الذي بات يتخبط بين الإفلاس و النهضة، على مراحل تاريخية بدءً و بزوغ مفهوم القومية العربية، التي انتشرت مع ظهور حركة القوميين العرب، والتي أيضا تأسست في أعقاب نكبة فلسطين 1948، حيث نشأت أساسا في لبنان بين أوساط طلبة الجامعات مثل الجامعة الأمريكية في بيروت، وضمت في صفوفها أردنيين و فلسطينيين و كويتيين و عراقيين، فمن أبرز الشخصيات التي شاركت في تأسيسها، أحمد الخطيب و جورج حبش وحامد الجبوري وهاني الهندي و وديع حداد وصلاح الدين صلاح، وهي فكرة في أصلها مكتسبة تعبر عن الانتماء البشري، في مفهومه المعاصر، إذ العروبة هي الإيمان بأن الشعب العربي شعب واحد تجمعه اللغة و الثقافة و التاريخ و الجغرافيا و المصالح، و بأن دولة عربية واحدة ستقوم لتجمع العرب ضمن حدودها من المحيط إلى الخليج، حيث عرفت القومية العربية قَوْمَة كبرى في منتصف الخمسينات و الستينات من القرن الماضي، وهي حركة لعبت دورا كبيرا في استقلال الكثير من الدول إن لم نقل كلّها في بداية القرن العشرين، لكن سرعان ما تراجعت الأفكار القومية، وحلّت مكانها الأحزاب الدينية و العلمانية، غير أن طموح القوميين العرب تطور مع قيام حزب البعث العربي الاشتراكي ، وهو حزب سياسي تأسس في سوريا على يد ميشال عفلق وصلاح البيطار و زكي الأرسوزي، حيث تبني الحزب مفهوم البعثية، وتعني ” النهضة” أو ” الصحوة” وهو مزيج إيديولوجي من القومية العربية و الوحدة العربية و الاشتراكية العربية و معاداة الإمبريالية، إذ دعت الحركة البعثية إلى توحيد الوطن العربي في دولة واحدة شعارها ” وحدة و حرية و اشتراكية” ،وهو ما يرمز إلى الوحدة العربية و التحرر من السيطرة و التدخل الأجنبي غير العربي ، إذ سرعان ما أنشأ فروعا في الدول العربية، لكن ثمة تطور حدث عندما نشأ صراع على السلطة بين الفصيل المدني بقيادة عفلق و البيطار ومنيف الرزاز، و اللجنة العسكرية بقيادة صلاح جديد و حافظ الأسد، فمع تدهور العلاقة بين الفصيلين ، نظمت اللجنة العسكرية انقلاب 1966، الذي أطاح بالقيادة الوطنية بقيادة الرزاز وعفلق و أنصارهم ، حيث قسم انقلاب 1966 حزب البعث إلى “فصيل عراقي” و ” فصيل سوري”. غير أن مواجهة حزب البعث العراقي لأمريكا بعد كشفه عن مشروع الاستخبارات الأمريكية الوطنية و الذي عرف بمشروع ” الإنسان الكوني” “cosmic human”، و الذي اشتغلت على إنتاجه ورعايته الاستخبارات الأمريكية، حيث عرف لدى أعدائها بالملف ” البرتقالي” و تسرب خبره للمخابرات العامة العراقية عن طريق الاتحاد السوفياتي، و الذي بدوره علم بذلك من خلال اختراق الاستخبارات السوفياتية ” كي جي بي” لألمانيا الغربية عبر ألمانيا الشرقية ، مما جعل أمريكا تستهدف العراق في وقت مبكر قبل ما شهدناه في حرب الخليج الأولى ، مرورا للغزو الذي تم ضد بغداد، إذ تخلل ذلك الضربة الجوية الإسرائيلية لمفاعل “أوزيراك” في 7 يوليو سنة 1981 ، غير أن مشروع “الإنسان الكوني” الأمريكي كان قد نجح في وقت لاحق في تفكيك الاتحاد السوفياتي و إسقاط جدار برلين.
بالموازاة مع ذلك، فإن تراجع حزب البعث السوري عن تفاهماته السابقة مع إسرائيل بخصوص الجولان، و انقلابه على الاتفاق الذي تم بينهما عبر وساطة ” تجمع البنائين الأحرار” بفرنسا ، وبعد تبني سوريا لخطاب الممانعة، وبعد دعمها للعراق إبان الغزو الأمريكي عبر فتح الممرات المؤدية للعراق في وجه المقاتلين العرب، وذلك بعد الاتفاق الذي تم بين الجيشين السوري و العراقي المتعلق بانخراطهما المشترك ضد أمريكا في حال أي غزو محتمل، إذ هذا ما أدى لاحقا لإطلاق برنامج “الفوضى الخلاقة” بسوريا في محاولة لهدم النظام السوري ، وإعادة بناءه وفق ما تقتضيه أولويات مشروع الشرق الأوسط الجديد، و الذي خططت له إدارة الرئيس الأمريكي “جورج دبليو بوش” بعد وصول تقرير من “سي اي إي ” للبيت الأبيض حيث أفاد التقرير أن ضابطان من المخابرات العامة العراقية قد التقيا ب “محمد عطا” منفذ هجمات أحد البرجين بحديقة عمومية بالعاصمة الشيكية براغ ، وهو ما جعل استخبارات البنتاغون”دي أي إي” تكون على علم بتفاصيل عملية 11 سبتنبر، قبل سنة وشهرين من وقوعها، و أكد ذلك نقلها لتأمين البرجين من شركة تأمينات أمريكية إلى شركة تأمينات يابانية، بعد علم الاستخبارات الأمريكية أن جسد “محمد عطا” أدمج برقاقة إلكترونية “، و أن مصدرها كان من آسيا، وذلك رغم تعمد استخبارات عدة إعطاء الولايات المتحدة معلومات ناقصة و غير مفصلة عن العملية، وهو ما سيتبلور معه لدى أمريكا كيف انتقل العقل العربي من القومية العربية و البعث العربي، إلى فكرة قتالها عبر وكلاء إسلاميين، و هو ما أكد أيضا أن تنظيم القاعدة كان مخترقا من أجهزة أمريكية و أجهزة أخرى لعديد من الدول، وهو أيضا ما اشتغلت على استغلاله الولايات المتحدة بعد تمريرها ل 11 سبتنبر، لتجد مبررا و ذريعة للدخول إلى أفغانستان و العراق و شن الحرب على الإسلام، بعد تزايد مستويات رهاب “الإسلاموفوبيا” لدى الغرب، والخطابات التي كانت تصدر من ” أسامة بن لادن”، حيث كان العرب و المسلمون و الغربيون يستمعون إليها عبر شاشة ” الجزيرة” بانتباه ملحوظ.
إلى ذلك، إن إفلاس العقل العربي الذي بدأ بظهور “تنظيم القاعدة”، وتطور بإنتاجه ل “داعش”، والتي أكدت تقارير سربت من داخل العراق على أن جل عناصر القيادة الأولى المؤسسة ل “تنظيم الدولة الإسلامية” كانت تنتمي للحرس الجمهوري العراقي الخاضع مباشرة لأوامر صدام حسين، وقد كان ذلك من الأسباب التي أدت إلى تثبيت برامج الفوضى الخلاقة في بعض البلدان العربية بداية 2011 ، أي ما عرف حينها بثورات ” الربيع العربي”، إذ كانت في الواقع عقابا أمريكيا لبعض الأنظمة العربية، بعد ما وصل إليه العقل العربي في مواجهته للغرب عبر تنظيم القاعدة و من ثم داعش.
غير أن التطورات المذكورة سابقا، والظروف الدولية المحيطة بالمنطقة العربية، هي ما دفعت بالعقل العربي لتجديد خطابه، بعد مراجعات كانت ضرورة مفصلية من ضرورات المرحلة لخدمة المراحل القادمة، في خطوة عربية للتوجه نحو المستقبل، وهو ما تسعى المبادرات العربية المشتركة الصادرة من أبو ظبي و الرياض لتجاوزه، إذ يرى الموقف العربي الحالي ضرورة إحداث قطيعة مع الأفكار السابقة، والتي أنتجها العقل العربي، وهو ما ستضمن معه المنطقة العربية السلم الدائم و التنمية المستدامة، عبر الانفتاح على حضارات و ثقافات متقدمة، إذ هذا شرط من شروط إسعاف العقل العربي بعد أن أعلن إفلاسه.


