بقلم : رضوان الغزاوي – باحث في السياسة الدولية والدبلوماسيةوالرقمنة
لم يعد من المبالغة القول إن العالم يعيش واحدة من أخطرلحظاته التاريخية. النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحربالعالمية الثانية، والقائم على توازنات دقيقة وقواعد قانونيةومؤسسات ضابطة، يبدو اليوم وكأنه ينهار قطعةً قطعة،أمام صعود زعامات سياسية تحكمها الانفعالات،والشعبوية، ومنطق القوة العارية.
في هذا السياق، يبرز اسم دونالد ترامب مجددًا، لابوصفه مجرد رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، بل كرمزلتحوّل عميق في طريقة إدارة العالم. ترامب لا يرى فيالنظام الدولي سوى ساحة صفقات، ولا يعترف إلا بمنطقالربح والخسارة، ويعامل الدول كما لو كانت “مزارع”مفتوحة، تُزار وتُنهب وفق المزاج السياسي والاقتصادي. وما شهدناه من اعتداء على سيادة دولة فنزويلا مع بدايةالسنة الجديدة، واحتجاز رئيسها، يُعد خرقًا سافرًاللقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ولم تكن فنزويلاوحدها من انتهكت سيادتها، هناك تجارب عديدةومتعددة، ولعل أبرزها الهجمات على إيران والعراق ولبنانوسوريا وتونس وقطر ونيجيريا… إلخ.
هذا التحوّل أكد لنا أن العالم أصبح يعاني من أزمةخطيرة، أساسها انهيار القانون الدولي، وصاحبهاضعف الأمم المتحدة وحشرها في زاوية. وكان خير دليلعلى ذلك الإبادة الجماعية التي ارتكبها نتنياهو في حقالشعب الفلسطيني، حيث عجزت الأمم المتحدة عنالتصدي لهذا العمل البشع. كما تم تقويض محكمة العدلالدولية وفرض عقوبات على قضاتها ، هذه الاحداثتذكرنا برحلة انهيار عصبة الأمم التي عجزت عنالتصدي للهيمنة التي فرضتها القوى الكبرى آنذاك ماادى الى انهيارها .
لكن السؤال الجوهري ليس: هل ترامب وحده من يقودالعالم نحو الهاوية؟ بل: كيف أصبح العالم رهينة لزعاماتمأزومة في لحظة تاريخية واحدة؟ لم يعد من الممكن فهمالمشهد الدولي اليوم دون استحضار حالة الانفلات التيأصابت مراكز القرار الكبرى. ففي شمال القارة القطبيةنجد بوتين، الذي يستعيد مناطق الإمبراطورية بالقوةالعسكرية. ففي سنة 2014 استولت روسيا على شبهجزيرة القرم من أوكرانيا، وأعلنت ضمها إلى الاتحادالروسي بعد استفتاء رفض المجتمع الدولي نتائجهواعتبره خطوة غير قانونية. وفي 30 سبتمبر 2022 أعلنبوتين ضم أربع أقاليم أوكرانية كاملة أو جزئية إلىروسيا، وهي: دونيتسك ولوغانسك و خيرسون وزابوروجي. ورغم أن روسيا لم تسيطر فعليًا على كاملهذه المناطق، فقد أعلنتها جزءًا من الأراضي الروسية فيخطاب رسمي اعتُبر انتهاكًا للقانون الدولي.
أما شي جين بينغ، الرجل الهادئ الذي يقود صعودًاصينيًا حذرًا لكنه صلب، فله استعداد واضح للصدامحول تايوان، التي يعتبرها جزءًا لا يتجزأ من الأمةالصينية الشعبية. فالزعيم الصيني، الذي قد يبدو للبعضأنه يستخدم السلاح الاقتصادي كوسيلة ردع خارقةللغرب وأمريكا، يخفي في المقابل وجهًا آخر من التسلحوالتصعيد. فالصين بدأت بدورها في تشييد وبناء قواعدعسكرية خارج الجغرافيا الأم، ولعل أبرزها في دولةجيبوتي قرب مضيق باب المندب، وهو موقع استراتيجيعالمي. وفي المقابل، تمتلك العديد من الموانئ في مختلفبقاع العالم، وتعتبرها الصين مراكز للشحن واللوجستيك،لكن من يصدق ذلك؟ هل تصدقون أنتم ذلك؟
ولا ننسى نتنياهو في الشرق الأوسط، الرجل الذي يوظفالحرب للهروب من أزماته الداخلية والقضائية. ويمكنالقول إن هذا الرجل هو أخطر من عرفه العالم الحديث،فهو يتلاعب بالقوى الكبرى عبر العالم ويرغمها علىالمشاركة في حروبه ضد كل من عارضه، بدءًا من فلسطينإلى سوريا ولبنان والعراق وإيران واليمن وتونس. حتىتلك الدول التي كانت وسيطًا في المفاوضات الدولية لمتسلم من قصفه. لقد ورّط الجميع في حروبه، بما في ذلكقادة الدول الأوروبية التي لطالما ادعت الدفاع عن حقوقالإنسان وكرامته، لكنها سقطت في فخ نتنياهو. فإذًا، ماالسبيل للخروج من هذا المأزق؟
وفي الخلفية، يقف ترامب – أو من يشبهه – بخطابشعبوي يرى في العالم غنيمة لا مسؤولية. ها هو اليوميهدد غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك في القطبالشمالي، ويهدد كولومبيا ونيجيريا والكونغو الديمقراطية. إنه، بمعنى الكلمة، رجل مهووس بالهيمنة، يريد الاستيلاءعلى ثروات الدول، وأن يكون الملك والإمبراطور الوحيد فيالعالم. يخاطب قادة العالم بمنطق القوة، لا بمنطق أعرافالقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
فهل يمكن أن تندلع الحرب العالمية الثالثة في ظل هذاالتحوّل الذي طرأ على الجغرافيا السياسية العالمية؟وكيف يمكن للدول التي تفتقر إلى آليات دفاعية أن تحافظعلى سيادتها وأمنها؟ أم أننا أمام تحالفات جيوسياسيةجديدة تعيد رسم خريطة العالم؟ فرغم قتامة هذا المشهد،فإن التاريخ يعلّمنا أن النظام الدولي لا ينهار دفعةواحدة، كما أن الحروب الشاملة لا تندلع فقط بفعل جنونالزعماء، بل نتيجة تراكب عوامل سياسية واقتصاديةوأمنية مع غياب آليات الردع والتوازن. إن ما نشهده اليومليس حتميّة حرب عالمية ثالثة، بقدر ما هو مرحلة انتقاليةمضطربة تُعاد فيها صياغة موازين القوى العالمية.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار عجزالمؤسسات الدولية، وصمت القوى المتوسطة، وارتهانالدول الضعيفة لتحالفات لا تحمي سيادتها بقدر مايستنزفها. من هنا، يصبح الرهان الأساسي ليس علىزعيم بعينه، بل على قدرة المجتمع الدولي على إعادةالاعتبار للقانون الدولي، وبناء تكتلات إقليمية متوازنة،وتعزيز استقلال القرار الوطني. فالعالم لا يحتاج إلىأقطاب جديدة بقدر ما يحتاج إلى قواعد عادلة تُلزمالجميع، وتمنع انزلاق البشرية مرة أخرى إلى هاوية لارابح فيها.

