بقلم: الدكتور حسن الشطييي
عاد الاحتقان الاجتماعي والمهني ليخيّم من جديد على قطاع الصحة بالمغرب، بعد مرحلة قصيرة من الهدوء النسبي التي أعقبت الإعلان عن إصلاحات وُصفت حينها بالهيكلية والعميقة. هذه العودة القوية للتوتر تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مآل هذا الإصلاح، وحدود تنزيله الفعلي، ومدى قدرته على الاستجابة لانتظارات مهنيي الصحة من جهة، وضمان حق المستهلكين في خدمات صحية ذات جودة من جهة أخرى.
أولاً: الأسباب والدوافع
تتعدد أسباب الاحتقان داخل قطاع الصحة، غير أنها تلتقي جميعاً عند معضلة أساسية، تتمثل في اتساع الهوة بين الخطاب الإصلاحي والواقع الميداني. فمهنيّو الصحة يسجلون بطئاً واضحاً في تفعيل الالتزامات الحكومية المتعلقة بتحسين الأوضاع المادية والمهنية والاعتبارية، مقابل تسارع في تنزيل إجراءات تنظيمية كبرى تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الوضوح والضمانات الكافية.
ويبرز في هذا السياق تراجع وزارة الصحة عن عدد من الوعود السابقة، خاصة تلك المرتبطة بالحفاظ على المكتسبات التاريخية التي راكمتها الشغيلة الصحية عبر عقود من النضال. وقد تعزز هذا الإحساس بالحيف مع تنزيل نظام المجموعات الصحية الترابية (GST)، الذي تم دون تقديم ضمانات صريحة تحمي هذه المكتسبات أو تعممها بشكل عادل.
ويُعد ملف منحة الشهر الثالث عشر مثالاً دالاً على هذا التراجع، إذ ظل مستخدمو المراكز الاستشفائية الجامعية يستفيدون منها لعقود باعتبارها مكسباً اجتماعياً مستقراً، قبل أن يتم التراجع عنها عملياً بعد تنزيل النظام الجديد، دون بدائل واضحة أو سند قانوني مطمئن. وقد برزت تداعيات هذا الوضع بشكل خاص في جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، حيث ساد شعور واسع بعدم الإنصاف وتكافؤ الفرص بين مهنيي القطاع.
إلى جانب ذلك، يساهم الضغط المتزايد على الموارد البشرية واستمرار الخصاص المهول في الأطر الصحية في تعميق الاحتقان، خاصة في ظل ارتفاع الطلب على الخدمات الصحية بعد تعميم الحماية الاجتماعية. كما زاد الغموض الذي يلف ملف الحركة الانتقالية داخل المجموعة الترابية من حدة التوتر، في غياب معايير شفافة وواضحة تراعي الاستقرار الأسري والاجتماعي والمهني، ما خلق حالة من القلق وعدم الاطمئنان لدى فئات واسعة من العاملين.
ولا يقل خطورة عن ذلك التأخر في إخراج المراسيم التطبيقية المرتبطة بالاتفاقات الموقعة مع الفرقاء الاجتماعيين، حيث تحولت العديد من الالتزامات إلى نصوص معلّقة دون أثر ملموس، الأمر الذي قوّض الثقة في جدية الحوار الاجتماعي ومصداقية الالتزامات الرسمية.
ثانياً: الانعكاسات المحتملة
إن عودة التوتر إلى قطاع حيوي واستراتيجي كقطاع الصحة لا يمكن اختزالها في بعدها الفئوي، بل لها انعكاسات مباشرة على جودة الخدمات الصحية واستقرار المنظومة ككل. فاستمرار الاحتقان ينذر بتراجع الأداء، وتزايد أشكال الاحتجاج والإضراب، وتعطيل المرافق الصحية، وهو ما ينعكس سلباً على الحق الدستوري للمواطنين في العلاج.
كما يؤثر هذا المناخ المشحون نفسياً ومهنياً على الأطر الصحية، ويضاعف من مخاطر الإرهاق المهني والاحتراق النفسي، في وقت يُفترض فيه أن تشكل هذه الفئة ركيزة أساسية لإنجاح ورش الإصلاح الصحي وتحقيق الأمن الصحي الوطني.
ثالثاً: الخلاصات وآفاق الحل
إن معالجة الاحتقان داخل قطاع الصحة لا يمكن أن تتم عبر حلول ظرفية أو وعود مؤجلة، بل تستدعي مقاربة شمولية ومسؤولة، قوامها حوار اجتماعي جاد، واحترام صريح للالتزامات، وحكامة حقيقية في تنزيل الإصلاحات.
ويظل الحفاظ على المكتسبات المهنية وتثمين الموارد البشرية الصحية مدخلاً أساسياً لاستعادة الثقة، إلى جانب الإسراع في إخراج المراسيم التطبيقية، وضمان وضوح الرؤية في ما يتعلق بالحركة الانتقالية ونظام المجموعات الصحية الترابية. كما يبقى إشراك الشغيلة الصحية، بمختلف فئاتها، في صياغة السياسات وتنفيذها شرطاً أساسياً لإنجاح أي إصلاح مستدام.
ختاما، فإن مستقبل الإصلاح الصحي بالمغرب يظل رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين على تحويل التوتر القائم من مصدر للأزمة إلى فرصة لإعادة بناء علاقة متوازنة بين الدولة ومهنيي الصحة، قائمة على الإنصاف، والشفافية، والاعتراف بالدور المحوري الذي تضطلع به هذه الفئة في حماية صحة المواطنين وضمان استقرار المجتمع.

