في خطاب حمل نبرة واضحة بأن الحكومة لم تعد مستعدة للتعامل مع أزمة السكن كملف عابر، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيس عن رؤية جديدة تجعل من الولوج إلى السكن “حقاً دستورياً فعلياً” لا مجرد شعار سياسي.
سانشيس، الذي كان يتحدث خلال تفقده مشاريع سكنية بعدد من المدن، شدّد على أن السكن تحوّل إلى أكبر همٍّ اجتماعي لدى الشباب والعائلات، وبالتالي أصبح أيضاً أكبر همٍّ لدى حكومته.
هذه الرسالة، التي جاءت في سياق تصاعد أسعار الإيجار وتفاقم المضاربة العقارية، تعكس تحوّلاً جذرياً في طريقة تعامل مدريد مع واحد من أكثر الملفات حساسية في إسبانيا.
السكن… “الركيزة الخامسة لدولة الرفاه”

خلال الخطاب، وصف سانشيس السكن بأنه الركيزة الخامسة لدولة الرفاه في إسبانيا، إلى جانب الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والحقوق المدنية.
وقال بلهجة مباشرة:
“إذا كان السكن هو المشكلة الأكبر التي تؤرق الإسبان… فهو أيضاً المشكلة الأكبر التي يجب أن تشتغل عليها الحكومة بلا توقف.”
هذا التصريح لم يكن مجرد توصيف، بل إعلان رسمي بأن الحكومة ستتعامل مع أزمة السكن كمسألة عدالة اجتماعية و حقوق مواطَنة قبل أن تكون قضية اقتصادية.
خطة حكومية غير مسبوقة: 7 مليارات يورو وورش وطني ضخم
في إطار ما وصفه بـ“أكبر استراتيجية سكنية منذ الانتقال الديمقراطي”، كشف سانشيس عن معالم برنامج حكومي طموح يمتدّ من 2026 إلى 2030، باستثمار يتجاوز 7 مليارات يورو، موجهاً بالأساس إلى:
- توسيع شبكة السكن الاجتماعي
عبر بناء آلاف الوحدات الجديدة المخصصة للأسر ذات الدخل المحدود.
- تعزيز الإيجار الميسور للشباب
من خلال توسيع برامج الدعم والقروض الموجهة لهذه الفئة.
- تنظيم السوق العقاري ومحاربة المضاربات
خصوصاً في المدن الساحلية والسياحية التي تعرف ارتفاعاً صاروخياً في الأسعار.
- الحد من الفوضى المرتبطة بالشقق السياحية
والتي ساهمت خلال السنوات الأخيرة في تفجير أسعار الإيجار داخل المراكز الحضرية الكبرى.

وفي مالقا، قدّم سانشيس مثالاً حيّاً عندما تحدث عن مشروع لبناء 530 مسكناً للإيجار الميسور، فيما أعلن خلال زيارته لمدينة ألكوركون عن مشروع حضري ضخم يشمل 3,500 وحدة سكنية، بينها 1,120 وحدة سكن اجتماعي.
“لا يمكن أن نواجه الأزمة وحدنا”… دعوة صريحة إلى البلديات والأقاليم
رئيس الحكومة شدّد على أن تنفيذ هذه الرؤية يحتاج تعاوناً واسعاً من الجماعات المحلية والمقاطعات، داعياً إياها إلى تفعيل قانون السكن الجديد والعمل بروح تشاركية.
وقال سانشيس في هذا السياق:
“قانون السكن يعمل بالفعل… لكن يجب أن نكون جميعاً جزءاً من الحل. هذه معركة جماعية من أجل العدالة.”
وتأتي هذه الدعوة بعد انتقادات واسعة بأن بعض البلديات تتردد في إدراج مناطقها ضمن “المجالات السكنية المتوترة” خوفاً من الإصطدام مع لوبيات عقارية نافذة.
الشباب في قلب العاصفة… والسكن مفتاح المساواة
من النقاط التي لفتت الانتباه في الخطاب، إشارته إلى أنّ 60% من الفوارق الاجتماعية التي يعيشها الشباب في إسبانيا سببها صعوبة الحصول على سكن.
وهي نسبة صادمة تفسّر:
- تأخّر سنّ الزواج،
- ارتفاع الهجرة الداخلية،
- اتساع الهوّة بين الفئات الاجتماعية،
- ازدهار السوق السوداء للإيجار.
الحكومة ترى أن ترك السوق العقاري بلا تدخل لم يعد مقبولاً، لأن “السوق وحده لم يعد يعمل”، على حدّ تعبير سانشيس.
رسالة سياسية تتجاوز السكن… وتلامس العمق الاجتماعي لإسبانيا
إعلان سانشيس لم يكن مجرد عرض لمشاريع، بل خريطة طريق اجتماعية تروم إعادة الاعتبار لسياسات الرفاه في بلد يتعرّض لضغط اقتصادي قوي.
الخطاب حمل أيضاً رداً على المعارضة التي تتهم الحكومة بتحميل الدولة أكثر من طاقتها، إذ أكد سانشيس أن “التكلفة الحقيقية ليست الاستثمار في السكن… بل ترك آلاف الأسر خارج منظومة العدالة الاجتماعية”.

