بقلم : علي غودان دكتور باحث في علم الاجتماع
«الفن لا يموت أبداً، إنه خالد، وعلينا أن نحرص على ألا يسقط مطلقاً في غياهب النسيان».
ساندْرين فيلاسّييه¹
تطوان، المدينة البيضاء ذات الجدران المشبعة بالظلّ والنور، كانت على الدوام حاضنة للفنانين، ومفترق طرق تتقاطع فيه الإيماءات، والذاكرة، ومصادر الإلهام. ومن بين الذين بصموا هذا التقليد الفني العريق والحيوي، يحتل اسم بارتولي العلمي² مكانة فريدة. فإبداعه، الموشوم بالإنسانية والدقة، ما يزال صداه يتردد طويلاً بعد رحيله.
فنان تشكّل بروح مدينته
كان بارتولي ينتمي إلى جيلٍ لم تكن فيه تطوان مجرد مجال جغرافي، بل لغة قائمة بذاتها. الأزقة العتيقة، والضوء المتوسطي، ووجوه الحياة اليومية، وألوان المدينة الهادئة، كلها غذّت نظرته الفنية. كان يتأمل الواقع بعمق يكاد يكون حنوناً، ثم يعيد صياغته في أعمال تبدو فيها كل لمسة نابضة بالحياة.
أسلوبه — القائم على “التنقيطية” — كان في آنٍ واحد تأملياً ومنفتحاً على العالم، يستكشف خبايا الروح وشعرية الواقع. وحيث كان غيره يسعى إلى الإبهار، كان هو يفضّل الصدق؛ لم يكن يبدع للإغواء، بل ليقول، وينقل، ويوقظ الوعي.
إبداع يخاطب الإنسان
ما ميّز بارتولي العلمي هو تلك القدرة النادرة على ملامسة القلب قبل العين. فإبداعاته — من لوحات ورسومات أولية إلى تركيبات أكثر تجريبية — تحمل جميعها بصمة إنسانية عميقة. نلمس فيها الهشاشة، والوحدة، وجمال الإيماءات البسيطة، وتلك السعي الدائم نحو الحقيقة الذي كان بوصلته.
لم يكن الفن لديه مهنة، بل طريقة وجود في العالم؛ فنّاً لالتقاط ذبذبات اليومي، على خطى أستاذه الكبير ماريانو بيرتوتشي³، لاستخلاص جوهرها العاطفي.
إرث يتجاوز حدود العمل الفني
بعد مرض طويل أقعده الفراش، أسلم الراحل بارتولي العلمي (1939–2025) الروح في صمت، أواخر نونبر 2025، على صورة حياته، مخلفاً وراءه رصيداً فنياً مهماً وفراغاً محسوساً في المشهد الفني التطواني.
غير أن مروره لم يكن عابراً. لقد خلّف إرثاً يتجاوز مادية اللوحة: طريقة في النظر، وصارماً داخلياً، وعلاقة بالعالم قوامها التواري، والعمق، والجمال الباطني.
واليوم، يصرّح كثير من الفنانين، شباباً ومخضرمين، بتأثرهم به؛ لأن الراحل بارتولي العلمي لم يكن يفرض رؤية، بل كان يفتح درباً.
رجل، وروح، وحضور
إلى جانب الفنان، يستحضر من عرفوه صورة رجل متواضع، وحضوراً وديعاً، وصوتاً يُحسن الإصغاء بقدر ما يُحسن التعبير. لم يكن الراحل يبحث عن الاعتراف، بل عن المعنى. وربما في ذلك تكمن مكانته، ليس كمبدع فحسب، بل كأستاذ حقيقي. إن غيابه يذكّرنا بقدر ما كانت حضوره نعمة. أما نوره، فباقٍ.

ذاكرة حيّة
ستظل تطوان طويلاً تحمل بصمته: في المحترفات، وفي مدارس الفنون، وفي المقاهي التي كان يحب الجلوس فيها للملاحظة والحوار، وفي نظرات أولئك الذين لامستهم أعماله. إن روح الراحل بارتولي العلمي ما تزال حيّة.
لذلك، فإن تكريمه ليس مجرد وداع، بل كلمة شكر.
شكراً على الإبداع.
شكراً على الصرامة.
شكراً على النور.
شكراً على الإنسانية.
السلام على الفنان.
السلام على روحه.
السلام على الرجل الذي وهب تطوان جزءاً من جماله الداخلي.
¹ ساندْرين فيلاسّييه كاتبة فرنسية من أصل بريطاني، وُلدت في 6 أكتوبر 1968 بمدينة دواي، معروفة بكتاباتها الصادقة وأسلوبها المؤثر، وغالباً ما تستلهم أعمالها من تجارب شخصية كالفقد (لا سيما فقدان ابنها) ومن البعد الروحي.
² انظر: علي غودان، «من البريق إلى النسيان: حياة إبداع ونهاية لامبالاة»، مدونة: kronisuesocialeblogspot.com
جريدة La Dépêche du Nord، العدد 1315، السبت 2 غشت 2025.
³ ماريانو بيرتوتشي (1884–1955)، رسام إبان الحماية الإسبانية، من غرناطة، برز في التيار الاستشراقي، ورسم مناظر شهيرة من المغرب وحياة سكانه اليومية.
راجع مدونتي: kroniquesociale.blogspot.com/

