بقلم محمد العربي اطريبش
شهدت الأيام القليلة الماضية تطورا دراماتيكيا في المواجهة العنيفة بين إسرائيل وإيران، لتنتقل من الحروب الخفية إلى المواجهة المباشرة والمعلنة، في مشهد بات يُنذر بتحولات استراتيجية عميقة في المنطقة، وخصوصا بعد الرسالة النارية التي وجّهها المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، والتي كشفت عن جاهزية إيران الكاملة للرد بل وامتلاكها معلومات دقيقة عن مواقع إسرائيلية حساسة.
في المرحلة الأولى نجحت إسرائيل فيما يمكن وصفه بـالضربة الاستباقية، عبر توظيف أدوات الحرب السيبرانية والتسلل الاستخباراتي والضربات الجوية الدقيقة إذ استطاعت وذلك من خلال شبكة من العملاء والجواسيس إلى جانب عمليات سلاح الجو استهداف شخصيات محورية في البرنامج النووي والعسكري الإيراني، هذه الضربات لم تكن فقط عمليات اغتيال معزولة بل كانت تحمل دلالة واضحة على قدرة إسرائيل على الوصول إلى قلب المنظومة الإيرانية تمامًا كما حدث في لبنان خلال السنوات السابقة.
لكن رغم هذا النجاح التكتيكي اصطدم الكيان الصهيوني بحقيقة مرّة وهي ان الضربة لم تكن كافية لردع إيران ولا لتعطيل قدراتها الاستراتيجية بشكل فعّال فبعد ساعات فقط من الهجمات الإسرائيلية جاء الرد الإيراني سريعًا بحجم ونطاق غير مسبوقين.
ولعل ما فاجأ المراقبين هو قدرة إيران على امتصاص الضربة وإعادة ترتيب أوراقها بسرعة قياسية ففي مساء نفس اليوم، جاء الرد عبر إطلاق أكثر من 200 صاروخ باتجاه أهداف داخل العمق الإسرائيلي لتتوالى الضربات في اليوم الثاني محدثة دمارا لافتا وموجة هلع واسعة في صفوف المواطنين الإسرائيليين.
وكان لافتًا ايضاً أن الضربات الإيرانية لم تقتصر على أهداف عسكرية فقط بل شملت مواقع ذات طابع رمزي واستراتيجي في رسالة واضحة بأن قواعد الاشتباك القديمة قد تغيرت وأن طهران لم تعد تقبل بدور المتلقي السلبي في معادلة الصراع.
أما على المستوى الداخلي وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه أمام مأزق كبير فمن جهة، لم تحقق الضربات الإسرائيلية هدفها الاستراتيجي في القضاء على المشروع النووي الإيراني إذ أقرت مصادر إسرائيلية أن التأثير اقتصر فقط على “تعطيل جزئي” للبرنامج ولمدة لا تتجاوز أسبوعين ومن جهة أخرى فإن الرد الإيراني العنيف وضع الدولة العبرية أمام تحدٍّ غير مسبوق.
الحرج الإسرائيلي تعمّق أكثر حين أُثيرت مسألة القدرات العسكرية إذ إن القنابل الأميركية الثقيلة القادرة على اختراق المرافق النووية الإيرانية، مثل “جي بي يو-57”، لا يمكن تحميلها إلا على قاذفات “بي-2” الأميركية، وهي قدرات لا تمتلكها إسرائيل أصلًا. وهذا ما يجعل تل أبيب أمام مفارقة خطيرة وهو انه لا تستطيع تدمير الملف النووي ولا تقدر على تحمل الرد الإيراني.
الرسائل الإيرانية الموجهة إلى الداخل الإسرائيلي لم تكن عسكرية فقط، بل نفسية أيضا فقد استهداف مواقع رمزية وخلق حالة من الذعر وأعاد إلى الواجهة مشاعر الخوف الجماعي التي غابت عن إسرائيل منذ سنوات هذا الواقع قد يؤدي إلى تحولات في المزاج العام، حيث بدأ قطاع من الإسرائيليين يطرح تساؤلات جدية حول جدوى حرب يخوضها نتنياهو على جبهات متعددة، في ظل فشل داخلي واضح وتراجع شعبيته وعجزه عن تحقيق أهداف سياسية أو أمنية واضحة.
في ضوء هذه التطورات يبدو أن الطرفين إسرائيل وإيران دخلا مرحلة “اللاعودة”، حيث لم تعد المناوشات المحدودة كافية ولا الهدنة خيارًا سهلًا إذ أن كلاهما يدرك أن أي تصعيد مقبل قد يكون أكثر تدميرًا واتساعًا لكن ما هو مؤكد أن ميزان الردع في الشرق الأوسط يشهد اليوم تحولًا كبيرًا، قد يعيد رسم خريطة الصراع لسنوات قادمة.

