بقلم : عماد حجاجي باحث الأكاديمي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
أولاً: الموقع الجغرافي لقطاع غزة وتداعياته الجيوسياسية في الشرق الأوسط
تُعد الجيوسياسة حقلاً تحليلياً يدرس أثر العوامل الجغرافية في توزيع القوة والصراع والعلاقات الدولية، وتُظهر حالة غزة كيف يتحول الموقع الجغرافي لهذا القطاع الصغير، الذي تبلغ مساحته نحو 365 كيلومتراً مربعاً ويتميز بندرة موارده الطبيعية، إلى عنصر ضغط استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، بما يؤثر في سلوك الدول والفاعلين من غير الدول، وأنماط التدخل الإقليمي والدولي.
ويتميز القطاع بصغر مساحته وكثافته السكانية المرتفعة، وإطلالته الاستراتيجية على البحر الأبيض المتوسط، وحدوده البرية المشتركة مع مصر، وهو ما يجعله نقطة تماس حساسة بين المجال العربي من جهة والجانب الإسرائيلي من جهة أخرى.
تاريخياً، خصوصاً بعد إعلان قيام إسرائيل سنة 1948، شكّل قطاع غزة عقدة عبور تجارية مهمة على طرق القوافل بين آسيا وإفريقيا، غير أن تطورات الصراع العربي ـ الإسرائيلي وما رافقها من إغلاق للحدود وقيود مشددة على الحركة، خاصة بعد حرب 1967، حوّلت موقعه الجغرافي إلى عامل عزل وحصار طويل الأمد، نتجت عنه معاناة متواصلة لسكان القطاع ومحاولات نزوح عبر معبر رفح نحو مصر.
ثانياً: قطاع غزة وإسرائيل وموقع الدول العربية في التوترات الإقليمية
أفضى قيام إسرائيل سنة 1948، بدعم بريطاني سابق، إلى جعلها فاعلاً مركزياً في المعادلة الجيوسياسية المرتبطة بقطاع غزة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن والردع وإدارة الحدود في منطقة الشرق الأوسط.
في المقابل، تتباين أدوار الدول العربية بين الوساطة الدبلوماسية بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، والدعم السياسي والإنساني لقطاع غزة والضفة الغربية، سعياً إلى احتواء الصراع ومنع تفاقم التوترات الإقليمية.
وتظل مصر فاعلاً أساسياً بحكم الجوار الجغرافي ودورها في إدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح، بينما تنخرط دول أخرى ضمن أطر عربية وإفريقية ودولية لمحاولة الدفع نحو وقف التصعيد.
وفي سياقات إقليمية أوسع، شهدت المنطقة ضربات عسكرية خارج مسارح النزاع المباشر، ما اعتبرته بعض الأطراف مساساً بسيادة الدول وعدم احترام المواثيق الدولية، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاش الالتزام بالقانون الدولي ومبادئ الشرعية الدولية وعدم استخدام القوة خارج الأطر القانونية.
ثالثاً: إعادة تموضع الحسابات الدولية وتوازنات شرق المتوسط
تنخرط قوى دولية كبرى في إدارة الأزمة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، خصوصاً في قطاع غزة، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بضمان الاستقرار الإقليمي وأمن الممرات البحرية وطرق الطاقة، ولا سيما ما يجري في مضيق باب المندب، حيث تتعرض قوافل تجارية وعسكرية للاستهداف في سياق مرتبط بالصراع في غزة.
ويظل الخيار العسكري حاضراً بقوة في مقاربات الردع بين أطراف النزاع، في حين تحاول الدبلوماسية الدولية احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية واسعة بما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على المنطقة.
رابعاً: أحداث 7 أكتوبر في السياق الجيوسياسي
جاءت أحداث 7 أكتوبر في سياق انسداد أفق الخطاب السياسي القادر على إنتاج حلول مستدامة، وأسفرت عن إعادة ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط.
وقد أثرت هذه التطورات في أنماط الاصطفاف السياسي، ووسعت نطاق الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، مع عودة الاحتجاجات الشعبية في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وإعادة طرح أسئلة حول قواعد الاشتباك وحدود استخدام القوة العسكرية ومستقبل الترتيبات الأمنية في غزة، مع التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين.
خامساً: دور جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي ـ ونموذج الموقف المغربي
سعت جامعة الدول العربية إلى بلورة موقف جماعي يدعو إلى وقف التصعيد العسكري وحماية المدنيين في قطاع غزة، في حين عبّر الاتحاد الإفريقي عن قلقه إزاء تداعيات الصراع على الاستقرار الإقليمي واحترام القانون الدولي.
أما الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الأوسع، فقد اضطلعوا بأدوار محورية عبر الدعوات إلى وقف الأعمال القتالية، وإدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح، وإطلاق تحركات دبلوماسية وتقارير أممية مرتبطة بحماية المدنيين.
وقد أعادت التطورات الأخيرة النقاش حول الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية البنية التحتية المدنية، وسط اتهامات بوقوع انتهاكات، ومطالبات متكررة باحترام اتفاقيات جنيف ومبادئ التناسب والتمييز في العمليات العسكرية.
وتظل العودة إلى مسار تفاوضي شامل شرطاً أساسياً لإنهاء النزاع، في ظل تعقّد الأوضاع الإقليمية المرتبطة بلبنان واليمن وإيران وسوريا، واستمرار الرهان على الخيار العسكري، ما يعقّد فرص الوصول إلى سلام دائم.
1 ـ 1 الموقف المغربي نموذجاً
تواصل المملكة المغربية التأكيد على دعمها الثابت للقضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، كما تشارك في إرسال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة لتخفيف معاناة السكان، مؤكدة التزامها بالقانون الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان وبالقيم الإنسانية العالمية.
سادساً: نظرية «الرجل المجنون» وإدارة ملف غزة
وُصفت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في عدد من التحليلات، بأنها قريبة من منطق نظرية «الرجل المجنون» القائمة على إظهار عدم القدرة على التنبؤ والاستعداد للتصعيد لفرض وقائع جديدة وتحسين شروط التفاوض. وقد تجلّى ذلك في ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي عبر قرارات مفاجئة مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووقف تمويل وكالة الأونروا، وتقديم دعم سياسي وعسكري واسع لتل أبيب، إلى جانب رعاية اتفاقات أبراهام مع بعض الدول العربية.
وقد أسهم هذا النهج في إحداث اختراقات محدودة، لكنه في المقابل غذّى توترات متزايدة، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
خلاصة عامة
تكشف حالة قطاع غزة أن العامل الجغرافي يظل عنصراً حاسماً في الصراع، غير أنه لا يعمل بمعزل عن القانون الدولي والتوازنات الإقليمية. ويبدو أن مستقبل القطاع سيتحدد بمدى قدرة الأطراف على الانتقال من منطق القوة إلى مقاربات سياسية ودبلوماسية وقانونية أشمل، تراعي حقوق الشعوب، وتضمن الاستقرار، وتسهم في تحقيق سلام مستدام في المنطقة.

