بقلم زيد اللغميش الحداد طالب باحث في السياسة الدولية والدبلوماسية والرقمنة
رسائل الملك
جاء الخطاب الملكي الأخير، متبوعاً بلقاء وزير الداخلية مع قادة الأحزاب السياسية، كجرس إنذار و رسائل الملك القوية في الآن ذاته، بأن المغرب يقف على أعتاب مرحلة سياسية جديدة، قوامها استقطاب الكفاءات الحقيقية وتخليق الحياة السياسية. لم يكن هذا التوجيه مجرد دعوة شكلية، بل خارطة طريق واضحة تروم القطع مع ممارسات الماضي التي أفرغت العمل الحزبي من مضمونه، وأفقدت المواطن الثقة في جدوى المشاركة السياسية.
الاستحقاقات التشريعية والجماعية المقبلة تحمل في طياتها رهانات كبرى. الرهان الأول والأبرز هو رفع نسبة المشاركة، لأن ضعف الإقبال على صناديق الاقتراع في الدورات السابقة كان مؤشراً خطيراً على الفجوة بين المواطن والسياسة. ففي انتخابات 2021 مثلاً، سجلت عدة مناطق حضرية نسب مشاركة ضعيفة لا تتجاوز 30%، وهو ما عكس حجم الإحباط الشعبي أمام هيمنة وجوه سياسية استهلكها الزمن.

أمثلة الماضي لا تزال حاضرة في ذاكرة الناخبين: منتخبون ظلوا في مواقعهم لعقود دون تقديم أي حصيلة تذكر، وبرلمانيون حولوا مهامهم إلى امتيازات شخصية، ورؤساء جماعات فشلوا في تسيير أبسط الملفات التنموية. هذه النماذج جعلت مصطلح “الشكارة” مرادفاً للانتخابات لدى شريحة واسعة من المواطنين، في إشارة إلى شراء الذمم بدل كسب الثقة بالبرامج.
في المقابل، هناك تجارب محلية ناجحة أثبتت أن التغيير ممكن حين تمنح الفرصة لوجوه جديدة. نذكر على سبيل المثال بعض الجماعات القروية التي انتخبت شباباً أكفاء، فشهدت تحسناً ملحوظاً في تدبير الخدمات، أو حالات رؤساء مجالس تمكنوا من تعبئة موارد إضافية وتفعيل شراكات تنموية، ما عزز الثقة وأعاد الأمل في دور المنتخب.
اليوم، الكرة في ملعب الأحزاب. فإما أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية وتستجيب لنداء الملك والمجتمع عبر تقديم وجوه جديدة، تحمل الكفاءة والنزاهة والجرأة على التغيير، أو تظل أسيرة منطق إعادة تدوير نفس الأسماء التي صنعت العزوف السياسي وأضعفت شرعية المؤسسات.
إن تجديد النخب ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة وطنية لإنقاذ العملية السياسية من الانحدار، واستعادة الرابط بين المواطن وصندوق الاقتراع. فالتحدي أكبر من مجرد الفوز بمقاعد؛ إنه رهان على إعادة بناء الثقة، وتأكيد أن المغرب مقبل على مرحلة سياسية تُدار بالكفاءات لا بالمصالح الضيقة.
رسائل الملك, رسائل الملك

