متابعة : bbc بالعربية
آرثر الصراف مؤرخ بجامعة كامبريدج تكشف الرسائل المصادرة التي كتبتها نساء إسبانيات إلى رجال مغاربة منذ عقود، عن تاريخ من المحظورات خلال الحقبة الاستعمارية. “متى ستعود إلى إسبانيا؟”
كتبت كارميلا هذا النداء اليائس بعناية في رسالتها، وهي علامة على مدى أهميته بالنسبة لها. وكتبت من غرناطة عام 1944 تقول: “أخبرني أنك لا تنظر إلى أي امرأة أخرى”. لكن الرجل الذي كانت هذه الكلمات مخصصة له لم يتمكن من قراءتها أبدا. فرسالة الحب التي أرسلتها كارميلا لم تصل إلى وجهتها في المغرب. وبدلاً من ذلك، انتهى بها الأمر مُخبأة في الأرشيف الإسباني، ضمن مخبأ غير متوقع يضم مئات الرسائل الغرامية بين النساء الإسبانيات والرجال المغاربة.
وكانت قد تمت مصادرة تلك الرسائل بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين، وهي تؤرخ للعلاقات الحميمة المحظورة. ولعقود من الزمن، قامت السلطات الاستعمارية التابعة للحماية الإسبانية في المغرب بمصادرة هذا البريد بشكل منهجي.
وقد تم حفظ تلك الرسائل جميعها بعناية في أظرف من قبل بيروقراطيين “كان ضميرهم حيا”، ثم تم نسيانها وسط الوثائق الإدارية الروتينية. وقد تراكم الغبار عليها حتى تم العثور عليها ونشرها من قبل الأكاديمييْن جوزيب لويس (ماتيو ديستي) ونيفيس موريل غارسيا.
وفي سالامانكا، التقت امرأة تدعى كونشا بجندي مغربي يدعى نصار كان يتمركز في مكان قريب. كانت واقعة في الحب بجنون، وكتبت إلى رؤسائه للحصول على إذن بالزواج منه في عام 1938. لكن بالنسبة للسلطات الاستعمارية الإسبانية، كان لا بد من حظر مثل هذا الاتصال تماما. لقد أعربوا عن اشمئزازهم من كونشا حيث استخفوا بها ووصفوها بأنها كبيرة في السن، “قبيحة، وسمينة مثل فرس النهر وذات عرج طفيف”. لقد اشتبهوا في أن نصار أبدى اهتماما بها فقط لأن كونشا تمتلك منزلاً، وهو ما أيقظ “حبه البركاني”.
في عام 1948، تم اعتراض رسالة بين كارمن من سرقسطة، موجهة لحبيبها عبد السلام في المغرب. ومنعت السلطات في تطوان على الفور كلاهما من العبور إلى الجانب الآخر. في الرسالة، قدمت كارمن أخبارا عن ابنتهما، التي ستكبر الآن دون رؤية والدها على الإطلاق. ولم يأخذ المسؤولون الطفلة بعين الاعتبار؛ لكن السبب الأكبر كان ما أطلق عليه المسؤولون “حظوة العرق”. ولكي يستمر الحكم الاستعماري، كان لا بد من اعتبار إسبانيا متفوقة على المغرب. وبما أن الحكومة فهمت الزواج على أنه خضوع المرأة للرجل، فإن أي زواج في هذه الحالة من شأنه أن يجعل المرأة الإسبانية خاضعة لرجل مغربي.
ومع ذلك، تكشف هذه الرسائل أنه تحت سطح المجتمع الاستعماري، كانت اللقاءات شائعة وأدت إلى مجموعة كاملة من العلاقات تشمل الصداقات والمغازلة واللقاءات الجنسية والزواج. ويُعد فتح هذا الملف أمرا مثيرا، فهو بمثابة نافذة على حياة نادراً ما تخبرنا عنها الوثائق الرسمية. لكن الأمر مقلق أيضا، فمعظم الرسائل لم تصل أبدا إلى وجهتها، ويبدو الأمر وكأنه انتهاك للخصوصية، لأن هؤلاء الأشخاص لم يختاروا أبدا أن يتم تضمينهم في هذا الأرشيف.
وعندما حصل المغرب على استقلاله عام 1956، أغلقت حكومة الحماية في تطوان أبوابها ونُسي معظم أرشيفها. وانتهى الأمر بمعظم ذلك الأرشيف بالقرب من مدريد، في الأرشيف المركزي للإدارة في مدينة ألكالا دي إيناريس الجامعية، حيث تم نسيانه مثل معظم التاريخ الاستعماري الإسباني في أفريقيا. لكن على الرغم من نشر بعض هذه الرسائل مؤخرا، إلا أن قصصها لا تزال غير معروفة جيدا، ولم يكشف هذا الأرشيف المنسي منذ فترة طويلة عن جميع أسراره بعد.

