بقلم محمد العربي اطريبش : طالب باحث في السياسات الدولية والدبلوماسية والرقمنة
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن أمن تونس موجة واسعة من الجدل، بعدما اختار لغة بعيدة عن الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها في مخاطبة دولة مستقلة وعريقة، تمتلك مؤسساتها وشعبها وقرارها السيادي.
لا أحد يعارض التعاون الأمني بين الدولتين، كما أن الوقوف إلى جانب تونس في مواجهة الإرهاب أو أي تهديد محتمل يظل موقفًا محمودا شريطة أن يتم في إطار التنسيق الرسمي والاحترام المتبادل. غير أن الانتقال من التعاون بين دولتين متساويتين في السيادة إلى خطاب يوحي بالحماية والوصاية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول الطريقة التي تنظر بها القيادة الجزائرية إلى علاقتها بجارتها تونس.
ومن وجهة نظري، فإن التدخل في شؤون الدول الأخرى لا يمنح الدولة المتدخلة قوة أو نفوذا بل يفقدها جزءًا من هيبتها ومكانتها السياسية والدبلوماسية. فالدولة التي تحترم سيادة الآخرين تكسب احترام المجتمع الدولي، أما التي تحاول فرض وصايتها والتحدث باسم غيرها، فإنها تقدم صورة سلبية عن دبلوماسيتها وتُضعف مصداقيتها أمام الشعوب والدول.
العلاقات بين الدول لا تُبنى بالشعارات الحماسية ولا بالتهديدات التي تُطلق بعبارات تفتقر إلى اللباقة وإنما تقوم على خطاب مسؤول يحترم السيادة الوطنية وحرية الشعوب في تقرير مصيرها وتونس ليست دولة تابعة حتى يتحدث الآخرون باسمها، وليست فضاء مفتوحا أمام أي طرف كي يحدد لها أصدقاءها وخصومها أو يرسم حدود قراراتها الداخلية والخارجية.
إن محاولة فرض صورة الشقيقة الكبرى على تونس لا تعكس قوة دبلوماسية، بقدر ما تكشف ضعفًا في فهم قواعد حسن الجوار وقلة ذوق في التعامل مع دولة عريقة. فالدول لا تُقاس فقط بمساحتها الجغرافية أو بثرواتها الطبيعية، وإنما بتاريخها ومؤسساتها وقدرتها على اتخاذ قراراتها بكل استقلالية. وتونس بتاريخها السياسي والحضاري أكبر من أن تُختزل في موقع التابع أو الدولة التي تحتاج إلى وصي يتولى الدفاع عنها والتحدث نيابة عنها.
وقد عبّر الصحفي التونسي وائل فطوش عن هذا الموقف بوضوح، حين أكد أن الجار ليس وصيا على تونس وأنه لا وجود لما يسمى الشقيقة الكبرى مشددا على أن الشعب التونسي وحده يملك حق تحديد مصيره واختيار مستقبله. وهو موقف يعكس شعورا متزايدا داخل الأوساط التونسية بالانزعاج من كل خطاب يتجاوز حدود التضامن الطبيعي إلى التدخل في الشؤون الداخلية.
الجزائر وتونس بلدان جاران تجمعهما روابط تاريخية وشعبية عميقة، لكن الحفاظ على هذه العلاقات يقتضي الابتعاد عن منطق الوصاية واعتماد خطاب دبلوماسي أكثر احتراما واتزانا فحسن الجوار لا يعني التدخل والتعاون الأمني لا يمنح أي دولة الحق في الحديث باسم دولة أخرى، مهما كانت قوة الروابط التي تجمع بينهما.
تونس دولة حرة وذات سيادة وشعبها وحده من يقرر مستقبلها ومن أراد مساعدتها فعليه أولا احترام قرارها ومؤسساتها، لأن الهيبة الحقيقية للدول لا تُبنى بالتدخل في شؤون الآخرين، بل بالحكمة والاتزان واحترام سيادة الشعوب. أما لغة الاستعراض ومحاولة لعب دور الوصي، فلا تخدم العلاقات الثنائية، ولا تليق بدبلوماسية تسعى إلى الحفاظ على مكانتها السياسية واحترامها الدولي.


