افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في كل مرحلة من التاريخ، يبرز أشخاص يلفتون الأنظار، ويشغلون الناس، وتكثر حولهم الأحاديث. لكن الزمن وحده هو الذي يكشف الفرق بين من صنع حدثا عابرا، ومن صنع مستقبلا يبقى أثره بعد سنوات.
فالحدث قد يولد في لحظة، أما المستقبل فيبنى عبر سنوات من العمل، والتخطيط، والصبر. والفرق بينهما هو الفرق بين من يبحث عن التصفيق اليوم، ومن يعمل من أجل أن يجني الوطن ثمرة جهده غدا.
لقد أصبحنا نعيش في زمن تمنح فيه الأضواء لمن يتحدث أكثر، لا دائما لمن يعمل أكثر. فوسائل التواصل والإعلام تصنع أحداثا كل يوم، لكنها لا تصنع بالضرورة إنجازات. فقد يثير تصريح جدلا لساعات، وقد يتصدر شخص عناوين الأخبار لأيام، ثم يختفي كل شيء، وكأن شيئا لم يكن.
أما الذين يصنعون المستقبل، فهم غالبا لا يشغلون أنفسهم بالضجيج. يعملون بصمت، ويؤمنون بأن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد من يتحدث عنه، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس. لذلك تجدهم منشغلين ببناء المؤسسات، وتكوين الأجيال، وإطلاق المشاريع، وإيجاد الحلول، أكثر من انشغالهم بالظهور.
وفي السياسة، ليس القائد الحقيقي من يجيد صناعة العناوين، بل من يترك وراءه مؤسسات أقوى، واقتصادا أكثر صلابة، ومجتمعا أكثر ثقة في مستقبله. فالتاريخ لا يحفظ عدد الخطب التي ألقيت، بل يتذكر ما تحقق على أرض الواقع.
وفي الإدارة، لا يقاس نجاح المسؤول بعدد الاجتماعات التي عقدها، ولا بعدد الصور التي التقطها، وإنما بما تغير بعد توليه المسؤولية. هل أصبحت الخدمات أفضل؟ هل اختصرت المساطر؟ هل شعر المواطن بأن هناك فرقا حقيقيا؟ تلك هي الأسئلة التي تصنع قيمة المسؤول، لا حجم حضوره الإعلامي.
والأمر نفسه ينطبق على حياتنا اليومية. فالأب الذي يربي أبناءه على القيم، والأستاذ الذي يغرس حب العلم في تلامذته، والطبيب الذي يؤدي رسالته بإخلاص، ورجل الأعمال الذي يخلق فرص الشغل، كلهم يصنعون المستقبل، حتى وإن لم تتحدث عنهم المنابر كل يوم.
إن الأوطان لا تبنى باللحظات العابرة، وإنما بالمشاريع التي تستمر، وبالقرارات التي تنظر إلى ما بعد اليوم، وبالرجال والنساء الذين يؤمنون أن أعظم الإنجازات هي تلك التي يستفيد منها الناس، حتى وإن لم تحمل أسماء أصحابها.
لقد علمتنا التجارب أن الضجيج قد يجذب الانتباه، لكنه لا يصنع التنمية. أما العمل الهادئ، فقد لا يلفت الأنظار في بدايته، لكنه يغير الواقع مع مرور الزمن. ولذلك، فإن الحكمة ليست في أن تكون حديث الناس اليوم، بل في أن تكون سببا في مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
وفي النهاية، سيبقى الفرق واضحا بين من عاش ليصنع حدثا ينسى بانتهاء يومه، ومن عاش ليصنع مستقبلا يذكره الناس كلما رأوا ثمرة ما أنجزه.
فالحدث قد يمنح صاحبه شهرة مؤقتة، أما المستقبل فلا يصنعه إلا أصحاب الرؤية، والإرادة، والعمل الصادق. وبين من يبحث عن الأضواء، ومن يبني الغد، يظل الزمن هو الحكم العادل الذي يضع كل واحد في مكانه الحقيقي.

