” الفنان المهني في صلب السياسة الثقافية: من أجل حكامة ثقافية عادلة، وإنصاف مهني حقيقي، وعدالة مجالية تكرس كرامة الفنان المغربي ”
يتابع فرع النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية – تطوان، ببالغ الاهتمام والمسؤولية، التحولات التي يشهدها قطاع الثقافة ببلادنا، وما يرافقها من نقاشات متزايدة داخل الأوساط المهنية والثقافية والإعلامية بشأن واقع السياسة الثقافية، وآليات تدبير الدعم العمومي، ومستقبل الفنان المهني، ومدى قدرة الإصلاحات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة على تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، وفي مقدمتها حماية الفنان، وصون كرامته، وإرساء منظومة ثقافية قادرة على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين.
وانطلاقاً من مسؤوليتنا النقابية في الدفاع عن الفنان المهني باعتباره جوهر الفعل الثقافي، فإننا نؤمن بأن أي سياسة ثقافية ناجحة لا تُقاس بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، ولا بعدد التظاهرات والمهرجانات المنظمة، وإنما بمدى انعكاسها المباشر على تحسين الوضعية المهنية والاجتماعية للفنان، وقدرتها على خلق فرص شغل مستقرة، وضمان استمرارية الإنتاج، وترسيخ الثقة بين الإدارة والمهنيين.
لقد راكمت المملكة المغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده ، إصلاحات دستورية ومؤسساتية مهمة جعلت من الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والشفافية، والعدالة المجالية، مرتكزات أساسية في تدبير المرافق العمومية. ومن الطبيعي أن يمتد أثر هذه المبادئ إلى القطاع الثقافي، باعتباره أحد أهم القطاعات المرتبطة ببناء الإنسان، وصيانة الهوية الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة والإبداع.
غير أن ما يثير انشغال عدد كبير من الفنانين المهنيين و خاصة المسرحيين اليوم هو استمرار مجموعة من الإشكالات التي تجعل المسافة بين النصوص القانونية والواقع الميداني ما تزال واسعة، وهو ما يفرض فتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول مستقبل السياسة الثقافية، بعيداً عن منطق الاصطفاف أو الشخصنة، وقريباً من روح الدستور، ومن انتظارات الفنان المغربي.
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال الشفافية في تدبير البرامج الثقافية باعتباره مدخلاً أساسياً لتعزيز الثقة في المؤسسات. فالمهنيون يتطلعون إلى وضوح أكبر في آليات برمجة الجولات المسرحية، واقتناء العروض، وإبرام الشراكات الثقافية، وتحديد المعايير التي يتم اعتمادها في اختيار المستفيدين منها، حتى يكون الجميع على قدم المساواة أمام الفرص التي يوفرها المرفق الثقافي العمومي.
ولا يتعلق هذا الطرح بالتشكيك في كفاءة أي فنان أو فرقة أو مؤسسة، وإنما بتأكيد مبدأ بسيط كرسته دولة المؤسسات، وهو أن المال العام والبرامج العمومية ينبغي أن تخضع لمساطر واضحة، ومعايير معلنة، وإجراءات قابلة للمساءلة، بما يرسخ الثقة ويحمي الإدارة نفسها من كل لبس أو تأويل.
ومن هذا المنطلق، يطرح الفنان المهني أسئلة مشروعة حول عدد من البرمجات والجولات والاقتناءات و المشاريع التي يتم تداولها داخل الوسط الثقافي، والتي يُنظر إليها على أنها تتم خارج برامج الدعم المعلنة أو خارج دفاتر التحملات المعروفة لدى المهنيين. وإذا كانت للإدارة صلاحياتها القانونية في إطلاق مبادرات ثقافية مختلفة، فإن من حق الفنانين كذلك أن يعرفوا الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم هذه المبادرات، وأن تُعلن معايير الاستفادة منها بصورة تكفل تكافؤ الفرص بين الجميع.
إن الوضوح لا يضعف المؤسسات، بل يقويها. والشفافية لا تعرقل العمل الثقافي، بل تمنحه الشرعية والثقة والاستمرارية.
لقد كان إحداث البطاقة المهنية للفنان محطة مهمة في مسار الاعتراف القانوني بالمهن الفنية، و اعتبرتها الهيئات و النقابات المهنية مكتسبا واستقبلها الفنانون بكثير من الأمل، باعتبارها مدخلاً لإعادة الاعتبار للفنان المغربي، وضماناً لحقوقه المهنية والاجتماعية.
غير أن الممارسة أفرزت أسئلة عديدة تستحق التقييم والمراجعة. فبعد سنوات من اعتماد هذه البطاقة، يتساءل الفنانون: ما الذي تغير فعلاً في أوضاعهم؟ وهل أصبحت البطاقة مدخلاً للاستفادة من فرص الشغل الثقافي؟ وهل منحت حاملها الأولوية في البرامج العمومية؟ وهل تحولت إلى أداة حقيقية لحماية الفنان، أم أنها بقيت وثيقة إدارية لا تقابلها حقوق مهنية واجتماعية ملموسة؟
إن البطاقة المهنية لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة لإثبات الصفة، بل يجب أن تكون عقداً بين الدولة والفنان، يترتب عنه حقوق وواجبات متوازنة. فإذا كانت الدولة تطالب الفنان بالاحتراف والالتزام، فمن حق الفنان أن يطالب بسياسات تشغيل واضحة، وبآليات عادلة للاستفادة من البرامج العمومية، وبضمانات اجتماعية تتلاءم مع خصوصية مهنته.
كما يقف فرع النقابة بتطوان عند ورش الحماية الاجتماعية وإدماج الفنانين في منظومة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS، باعتباره ورشاً وطنياً بالغ الأهمية، غير أن نجاحه يظل رهيناً بوجود سوق شغل ثقافي حقيقي، قادر على توفير دخل منتظم للفنان.
فالفنان لا يمكنه الوفاء بالتزاماته الاجتماعية إذا ظل يعيش على إيقاع فرص شغل موسمية ومتقطعة، أو إذا كان دخله رهيناً بمشروع أو مهرجان أو دعم أو مناسبة عابرة. إن الحماية الاجتماعية لا تبدأ عند أداء الاشتراكات، بل تبدأ من ضمان الحق في العمل، ومن بناء اقتصاد ثقافي يخلق دخلاً مستقراً، ويجعل الفنان قادراً على الاندماج الفعلي في المنظومة الاجتماعية.
ومن هنا، فإن فرع النقابة يرى أن إصلاح وضعية الفنان لا يمكن أن يقتصر على إصدار الوثائق أو إدماجه في أنظمة الحماية، بل يقتضي مراجعة شاملة للسياسات العمومية، تجعل الفنان المهني محوراً حقيقياً للتنمية الثقافية، لا مجرد مستفيد ظرفي من برامج الدعم.
إن الثقافة ليست موسماً، والفنان ليس موظفاً موسمياً، بل هو رأسمال بشري وإبداعي يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، وسياسات قائمة على الاستمرارية، والإنصاف، والشفافية، وربط الاستثمار في الثقافة بالاستثمار في الإنسان.
ولذلك، يدعو فرع النقابة إلى فتح حوار وطني مؤسساتي تشارك فيه النقابات المهنية والفاعلون الثقافيون والجامعات والباحثون، من أجل تقييم حصيلة الإصلاحات، وإعادة النظر في آليات الدعم والتشغيل الثقافي، بما يحقق العدالة بين الفنانين، ويجعل الاستحقاق والكفاءة وحدهما أساس الولوج إلى الفرص العمومية.
وإذا كانت هذه الأسئلة تهم المشهد الثقافي الوطني برمته، فإنها تتجسد بصورة أكثر وضوحاً داخل جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، التي تزخر برصيد ثقافي وإنساني استثنائي، وتضم نخبة من الفنانين والكتاب والمخرجين والتقنيين الذين ساهموا لعقود في إثراء المسرح المغربي، وأسهموا في تمثيل الثقافة الوطنية داخل المغرب وخارجه، غير أن هذا الرصيد لم ينعكس بالشكل الكافي على واقع التشغيل الثقافي، ولا على التنمية الثقافية المنشودة بالجهة.
أما مدينة تطوان، فإنها ليست مدينة عابرة في تاريخ المسرح المغربي، بل هي إحدى الحواضر الثقافية التي راكمت تجربة فنية عريقة، وأسست لمسارات إبداعية تركت بصمتها في الذاكرة المسرحية الوطنية. وهي مدينة أنجبت أسماء وطاقات وكفاءات ما تزال تؤمن بأن المسرح رسالة قبل أن يكون مهنة، وأن الثقافة مشروع مجتمعي قبل أن تكون موسماً احتفالياً.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الرصيد الثقافي الكبير لا يقابله، في كثير من الأحيان، استثمار حقيقي في الفنان المهني المحلي، ولا في المقاولة أو الجمعيات الثقافية المحلية، ولا في الطاقات البشرية التي يفترض أن تشكل العمود الفقري لأي مشروع ثقافي يروم تحقيق التنمية المستدامة.
لقد ظلت تطوان، لسنوات طويلة، تحتضن المهرجان الوطني للمسرح، وهو أكبر تظاهرة مسرحية وطنية، تستقطب الفرق والفنانين والمهنيين من مختلف جهات المملكة، وتشكل واجهة ثقافية بارزة للمغرب. وكان من الطبيعي أن تتحول هذه التظاهرة إلى رافعة للتنمية الثقافية والاقتصادية بالمدينة، وإلى فرصة حقيقية لخلق فرص الشغل لفائدة الفنانين والتقنيين والمقاولات و الجمعيات الثقافية المحلية.
غير أن ما يثير القلق، ويطرح أكثر من علامة استفهام، هو أن الأثر المهني لهذا الحدث الوطني ظل محدوداً بالنسبة لعدد كبير من الفنانين المهنيين بمدينة تطوان، الذين يجدون أنفسهم، سنة بعد أخرى، خارج دائرة الاستفادة الحقيقية من الدينامية التي يخلقها المهرجان، رغم أنهم أولى الناس بالمساهمة في إنجاحه بحكم خبرتهم، ومعرفتهم بالمجال، وانتمائهم إلى النسيج الثقافي المحلي.
إن الفنان التطواني لا يطلب امتيازاً، ولا يدعو إلى إقصاء أي فنان من أي جهة من جهات المملكة، فالمسرح المغربي ملك لجميع المغاربة، والثقافة فضاء للتلاقح والانفتاح. لكنه يتساءل، بكل مشروعية: أين نصيب الفنان المهني المحلي من فرص الشغل التي يتيحها حدث وطني يحتضنه ترابه؟ وأين موقع المقاولة الثقافية و الجمعيات و الفرق المحلية من منظومة الخدمات والتنظيم والإنتاج المصاحبة لهذه التظاهرة؟
إن العدالة المجالية لا تتحقق بمجرد تنظيم مهرجان داخل مدينة معينة، وإنما تتحقق عندما ينعكس هذا الاستثمار الثقافي على التنمية المحلية، ويخلق قيمة مضافة لفائدة أبناء المدينة، ويتيح للفنانين المحليين فرصاً عادلة للمشاركة والإنتاج والتأطير والتكوين والتقنيات والتنشيط والخدمات الثقافية.
ومن المؤسف أن يتحول شعور عدد من الفنانين المهنيين بتطوان إلى قناعة مفادها أن مدينتهم أصبحت، في مثل هذه المناسبات، فضاءً للاستقبال والضيافة أكثر منها فضاءً للإنتاج الثقافي، وأن دورها يقتصر على احتضان الوفود، بينما تبقى طاقاتها البشرية خارج دائرة الاستفادة الفعلية.
إن تطوان أكبر من أن تكون مجرد واجهة جميلة للمشهد الثقافي، أو محطة بروتوكولية لاستقبال الضيوف، أو صورة ترويجية في المطبوعات والملصقات. إنها مدينة تمتلك من التاريخ والكفاءات والمؤسسات ما يؤهلها لأن تكون مركزاً دائماً للإنتاج المسرحي، والتكوين، والبحث، والصناعة الثقافية، وخلق فرص الشغل، وليس فقط فضاءً لاحتضان التظاهرات العابرة.
ومن هنا، فإن فرع النقابة يجدد مطالبته بضرورة الانتقال من ثقافة التظاهرة إلى ثقافة المشروع، ومن منطق التدبير الموسمي إلى منطق التنمية الثقافية المستدامة، حتى تصبح التظاهرات الوطنية وسيلة لتنمية المجال الذي يحتضنها، لا مجرد حدث ينتهي بانتهاء مراسم الاختتام.
كما يلفت الفرع الانتباه إلى واقع البنيات التحتية الثقافية بمدينة تطوان، التي ما تزال في حاجة إلى استكمال وتأهيل وتفعيل. فالثقافة لا تقاس بعدد المباني التي يتم الإعلان عنها، وإنما بمدى جاهزيتها للاشتغال، واستمرارية برامجها، وانفتاحها على الفنانين، وتحولها إلى فضاءات حية للإنتاج والإبداع والتكوين.
ولا يزال المهنيون والرأي العام الثقافي يتطلعون إلى توضيح مآل عدد من المشاريع الثقافية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع المسرح الوطني المصلى بتطوان و المسرح الكبير بمارتيل ، اللذان يشكلان مطلباً ثقافياً طال انتظاره، إلى جانب ضرورة تأهيل باقي الفضاءات و المراكز الثقافية، وضمان برمجة سنوية منتظمة تجعل منها مؤسسات منتجة للثقافة، لا مباني مغلقة أو موسمية النشاط.
إن الاستثمار في الحجر لا يكتمل إلا بالاستثمار في الإنسان. فالمسرح لا تصنعه الجدران، وإنما يصنعه الفنان، والتقني، والمؤلف، والمخرج، والإداري … ، وكل من يسهم في الحياة الثقافية اليومية.
كما أن المقاولة الثقافية المحلية و الفرق و الجمعيات لا يمكن أن تستمر في ظل اقتصاد ثقافي يقوم على المناسبات، بل تحتاج إلى برامج قارة، وعقود واضحة، وشراكات عادلة، وآليات شفافة تضمن تكافؤ الفرص، وتشجع الإنتاج المستمر، وتمنح الأولوية للاستحقاق والكفاءة.
إن الفنان المهني المغربي لم يعد يطالب بالدعم بوصفه منحة، وإنما يطالب بسياسة عمومية تضمن له الحق في العمل، وتوفر له شروط المنافسة العادلة، وتكفل له الكرامة المهنية، وتجعله شريكاً في صناعة التنمية الثقافية.
ولهذا، فإن فرع النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية – تطوان، يدعو إلى إطلاق إصلاح شامل للسياسة الثقافية، يجعل الفنان المهني في قلب القرار الثقافي، ويقوم على مراجعة آليات الدعم، وتوضيح معايير البرمجة والاقتناء والجولات، وإعادة تقييم البطاقة المهنية، وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية، وتأهيل البنيات الثقافية، وربطها ببرامج إنتاج وتشغيل مستدامة، مع إشراك النقابات المهنية باعتبارها شريكاً أساسياً في بلورة السياسات العمومية المرتبطة بالمهن الفنية.
كما يدعو إلى اعتماد رؤية جديدة تجعل من المهرجانات الوطنية، وفي مقدمتها المهرجان الوطني للمسرح، رافعة حقيقية للتنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية داخل المدن المحتضنة لها، بما يضمن استفادة الفنانين المهنيين المحليين من فرص التشغيل والإنتاج والتأطير والخدمات المرتبطة بها، وفق معايير الكفاءة والاستحقاق والشفافية.
إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بحجم استثماراتها في البنيات التحتية، وإنما كذلك بقدرتها على حماية رأسمالها البشري. والفنان هو أحد أهم مكونات هذا الرأسمال، لأنه حامل للوعي، وصانع للمعنى، وشريك في بناء الإنسان المغربي.
إننا، في فرع النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية – تطوان، لا نصدر هذا البلاغ من موقع المعارضة، ولا بدافع الاعتراض من أجل الاعتراض، وإنما انطلاقاً من مسؤوليتنا النقابية، وإيماننا العميق بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالإنصات إلى المهنيين، وبفتح حوار جاد ومسؤول، وبجعل العدالة والشفافية والاستحقاق أسساً لكل سياسة ثقافية.
فالفنان المغربي لا يطلب امتيازاً، بل يطالب بحقه المشروع في العمل الكريم، وفي تكافؤ الفرص، وفي أن تكون المؤسسات العمومية على المسافة نفسها من جميع الفنانين، وأن تتحول الثقافة إلى ورش وطني دائم، يحقق التنمية، ويحفظ الكرامة، ويصون الإبداع، ويجعل من الاستثمار في الإنسان أسمى أشكال الاستثمار في مستقبل الوطن.
عن المكتب الإقليمي
النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية – فرع تطوان

