بقلم: د. حسن الشطيبي
لم تعد المسيرات الاجتماعية في السياق المعاصر مجرد أشكال احتجاجية مرتبطة بمطالب فئوية أو ظرفية، بل أصبحت محطات للتعبير عن تحولات عميقة تعرفها المجتمعات، وعن طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، وعن مستقبل السياسات العمومية في ظل أزمات متشابكة تتجاوز الحدود الوطنية.
وفي هذا الإطار، تأتي المسيرة الوطنية التي نظمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل يوم الأحد 28 يونيو 2026 بمدينة الدار البيضاء، باعتبارها محطة نقابية تحمل دلالات اجتماعية وسياسية، وتعكس استمرار النقاش حول قضايا الشغل والعدالة الاجتماعية والحريات والاختيارات التنموية.
وتندرج هذه المسيرة ضمن مسار نضالي متواصل للمنظمة النقابية، وامتدادا للأشكال الاحتجاجية السابقة، من بينها المسيرات الجهوية المنظمة يوم 17 ماي الماضي، في ظرفية دولية دقيقة تعرف تصاعد الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية، وما ينتج عنها من تداعيات على الاقتصاد العالمي وعلى الأوضاع الاجتماعية لمختلف الدول.

فالعالم يعيش اليوم مرحلة تتسم بتزايد الضغوط الاقتصادية، وارتفاع كلفة المعيشة، واضطراب سلاسل الإنتاج والطاقة، وهي عوامل جعلت قضايا الحماية الاجتماعية، والقدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية، في قلب النقاشات السياسية والاجتماعية.
وعلى المستوى الوطني، تأتي هذه المسيرة في سياق يعرف نقاشا واسعا حول الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية، وحول مدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للانتظارات المتزايدة للمواطنين، خاصة في ظل استمرار تحديات مرتبطة بغلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وإشكالات التشغيل، وتحسين جودة المرافق العمومية الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم.
كما تطرح الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مجموعة من الملفات التي تعتبرها ذات أولوية، من بينها تعزيز الحوار الاجتماعي، وصيانة الحقوق النقابية، والدفاع عن الحريات العامة، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح والاحتكار، بما يضمن شروطا أكثر عدلا في توزيع الثروة وتحقيق التنمية.
ويشكل النقاش حول القوانين ذات التأثير المباشر على الحياة المهنية والاجتماعية، وعلى رأسها القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب، أحد الملفات التي تستوجب مقاربة تشاركية واسعة، توازن بين متطلبات التنظيم المؤسساتي وضمان ممارسة الحقوق الدستورية والاجتماعية.

إن استحضار التجارب التاريخية، خاصة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال ثمانينيات القرن الماضي وما رافقها من إجراءات اقتصادية كبرى، يبرز أهمية بناء نموذج اجتماعي قادر على حماية الفئات الهشة، وتقوية القطاعات الحيوية، والاستثمار في العنصر البشري باعتباره أساس التنمية.
ومن هذا المنظور، فإن مسيرة الدار البيضاء لا يمكن اختزالها في بعدها الاحتجاجي فقط، بل تمثل لحظة سياسية واجتماعية تعكس أسئلة أعمق حول طبيعة النموذج التنموي، وموقع العدالة الاجتماعية داخل مشروع بناء المغرب الحديث.
فالتحدي المطروح اليوم لا يرتبط فقط بتدبير الأزمات الظرفية، بل يتعلق ببلورة رؤية متوازنة تجمع بين التنمية الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي، وتقوية المؤسسات، وترسيخ ثقافة الحوار والتفاوض بين مختلف الفاعلين.
إن مستقبل المجتمعات لا يبنى فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل أيضا بمدى قدرة الدولة والمجتمع على إنتاج الثقة، وحماية الحقوق، وضمان مشاركة مختلف القوى الاجتماعية في صناعة القرار.
وبذلك تتحول المسيرة النقابية من حدث ميداني إلى رسالة أوسع حول مستقبل الدولة الاجتماعية، وحول الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على الإنصاف، والكرامة، وتكافؤ الفرص، واحترام الإنسان.
د. حسن الشطيبي
#الكونفدرالية_الديمقراطية_للشغل
#مسيرة_الدار_البيضاء
#الحوار_الاجتماعي
#العدالة_الاجتماعية
#المغرب

