بقلم: مونة الحداد
لم يعد الحديث عن حوكمة الاستهلاك مجرد دعوة أخلاقية أو سلوك فردي معزول، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بكيفية اشتغال السوق، وبموقع الفرد داخل منظومة اقتصادية تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والمالية والقانونية. وإذا كان السؤال التقليدي يتمحور حول: كيف نستهلك بوعي؟ فإن السؤال الأعمق اليوم هو: كيف يُعاد تشكيل السلوك الاستهلاكي عندما تتجاوز الأسعار حدود التوازن الاقتصادي المقبول؟
في سياق عيد الأضحى، تتجلى هذه الإشكالية بشكل واضح، حيث تتحول المناسبة بالنسبة لعدد كبير من الأسر إلى لحظة ضغط اقتصادي مباشر، لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل ببنية سوق معقدة تتعدد فيها مستويات الوساطة والتوزيع. فالسوق لا يُنتج السعر في فراغ، بل من خلال سلسلة متداخلة من الفاعلين: منتجين وموزعين وتجار ووسطاء، وهو ما قد يخلق، في بعض الحالات، فجوة بين القيمة الاقتصادية الحقيقية للمنتوج وسعره النهائي في السوق.
ومع تداخل هذه البنية مع ضغط اجتماعي وثقافي قوي، تتحول الأضحية من شعيرة دينية مرتبطة بالاستطاعة، إلى التزام اجتماعي شبه إلزامي في الوعي الجمعي، بما يحدّ من حرية الاختيار الاقتصادي للأسر، حتى تلك التي تعيش تحت سقف القدرة المالية المحدودة. وهنا لا يعود المستهلك فاعلًا حرًا بالكامل، بل طرفًا محاصرًا بين منطق السوق ومنطق المجتمع.
هذا الوضع ينعكس مباشرة على التوازن المالي للأسر، خاصة في الطبقات المتوسطة والهشة، حيث يتم اللجوء إلى الاقتراض الاستهلاكي أو إلى أشكال غير مهيكلة من التمويل لتغطية نفقات غير إنتاجية وموسمية. ومهما بدا هذا الخيار حلًا ظرفيًا، فإنه قد يخلق امتدادًا زمنيًا للضغط المالي، يتجاوز لحظة العيد ليؤثر على القدرة اللاحقة للأسر على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، من كراء وفواتير وديون أخرى.
ومن هذا المنظور، لا يبدو قرار بعض الأسر بعدم اقتناء الأضحية قرارًا استثنائيًا أو خروجًا عن المألوف، بقدر ما يمكن اعتباره خيارًا اقتصاديًا عقلانيًا في سياق اختلال التوازن بين الدخل المتاح والضغط الاستهلاكي. فالأضحية، في بعدها الشرعي، مرتبطة بالاستطاعة، وليس بالإكراه الاجتماعي أو المالي، وهو ما يعيد طرح سؤال الأولويات داخل تدبير الموارد الأسرية.

غير أن معالجة هذه الإشكالية لا يمكن أن تُختزل في سلوك المستهلك وحده، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بالطلب، بل أيضًا ببنية العرض وآليات اشتغال السوق. فحرية الأسعار والمنافسة، رغم كونها مبدأً اقتصاديًا أساسيًا، تحتاج إلى حدودها التنظيمية عندما تتحول بعض الممارسات إلى مصدر لاختلال التوازن، سواء من حيث الشفافية أو العدالة في توزيع القيمة داخل سلسلة الإنتاج.
وعليه، فإن مقاربة هذه الظاهرة تستدعي أكثر من مجرد خطاب أخلاقي حول ترشيد الاستهلاك. إنها تتطلب إعادة التفكير في أدوات ضبط السوق، وتعزيز آليات حماية المستهلك، والحد من الممارسات المضاربية التي تؤثر على استقرار الأسعار، إلى جانب تطوير وعي مالي واجتماعي يساعد الأسر على اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر توازنًا. في النهاية، لا تكمن الإشكالية في ارتفاع الأسعار فقط، بل في التحول التدريجي للسوق من فضاء للتبادل الاقتصادي إلى فضاء لإنتاج ضغط اجتماعي ومالي ممتد. وبين مسؤولية المستهلك ومسؤولية السوق، يبقى الهدف الأساسي هو إعادة بناء توازن يسمح بحماية الأسرة من الوقوع في دائرة الهشاشة المالية، ويعيد للاقتصاد وظيفته الطبيعية كآلية للتبادل العادل لا كأداة لإعادة إنتاج الإعسار.

يتبع.

